هذه الدعوة، التي وجّهها البابا إلى الأساقفة خلال لقائه أعضاء سينودوس الروم الملكيين الكاثوليك، وقبل دخوله إلى المستشفى لإجراء عملية جراحية، تفتح الباب أمام نقاش يتجاوز حدود التوجيه الروحي والأخلاقي، ليصل إلى جوهر العلاقة بين السلطة والمسؤولية داخل الكنائس الشرقية. فالمسألة ليست في بقاء البطريرك أو رحيله بقدر ما هي في كيفية ممارسة السلطة، ومدى خضوعها للمساءلة، وقدرة المؤسسات الكنسية على منع تحوّل الموقع الروحي إلى امتياز شخصي أو مركز يصعب إخضاعه للمراجعة.
في الكنائس الشرقية، لا يُفترض أن تكون البطريركية سلطة فردية منفصلة عن الجماعة الأسقفية، بل مسؤولية تُمارَس في إطار الشركة الكنسية، وتحكمها القوانين والتقاليد والآليات السينودسية. ومن هنا، تكتسب الدعوة البابوية أهمية خاصة في مرحلة يتزايد فيها النقاش حول صلاحيات البطاركة، ودور السينودسات، وحدود القرار الفردي في إدارة شؤون الكنائس.
وقد قرأ بعض المتابعين كلام البابا بوصفه إشارة إلى إمكان الانتقال من الدعوة الأخلاقية إلى إصلاحات مؤسساتية تعزّز مشاركة السينودسات في القرارات الكبرى. غير أن هذا التفسير يبقى قراءة في دلالات الخطاب، ولا يعني أن البابا أعلن بدء تطبيق إجراءات محددة لعزل البطاركة أو عدّل، بمجرد هذه الكلمات، القواعد القانونية الناظمة لانتخابهم أو إنهاء ولايتهم.
ومع ذلك، فإن السؤال الذي تطرحه الدعوة البابوية مشروع، وهو يتعلق حصرًا بكيفية التوفيق بين المكانة الخاصة للبطريرك وبين حق السينودوس في المشاركة الفعلية في القرارات التي تمسّ مستقبل الكنيسة، وأين تنتهي صلاحيات الرئيس الكنسي وتبدأ مسؤولية الهيئة الجماعية التي تمثل الأساقفة وتشارك في حمل أعباء القيادة.
إن أي إصلاح جدّي لا يمكن أن يقوم على الانطباعات أو الحسابات الشخصية، ولا على تحويل الخلافات الداخلية إلى معارك بين أشخاص. المطلوب هو قواعد واضحة وشفافة، تحدّد الصلاحيات، وتضمن المشاركة، وتضع معايير موضوعية للمساءلة، بما في ذلك الحالات الاستثنائية التي قد تستدعي النظر في أهلية البطريرك للاستمرار في مهمته، وفقاً للقانون الكنسي والإجراءات المختصة.
فالسلطة الكنسية لا تستمد مشروعيتها من استمرار شاغلها في موقعه فحسب، بل من طريقة ممارستها، ومن قدرتها على خدمة المؤمنين، وصون وحدة الكنيسة، واحترام المؤسسات التي تشارك في إدارتها. كما أن المساءلة لا تعني إضعاف البطريركية، تماماً كما أن المشاركة السينودسية لا تعني الانتقاص من مقام البطريرك؛ بل يمكن أن تشكّلا معاً ضمانة لاستقرار الكنيسة وتعزيز الثقة بقيادتها.
ومن هنا، قد تكون الرسالة الأهم في كلام البابا لاوون الرابع عشر أن الإصلاح لا يحتاج دائماً إلى إعلان مواجهة مع أصحاب السلطة، بل قد يبدأ بتذكيرهم بالمعنى الأصلي للموقع الذي يشغلونه. فحين تصبح الخدمة معياراً، لا يعود السؤال كم سنة بقي البطريرك في منصبه، بل ماذا قدّم للكنيسة خلال تلك السنوات، وكيف مارس مسؤوليته، وهل بقيت المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية.
إنها دعوة لا يجوز اختزالها في توقع استقالات أو قرارات إقالة، لكنها تضع أمام الكنائس الشرقية تحدياً لا يمكن تجاهله: أن تنتقل مبادئ الشركة السينودسية من مستوى الخطاب إلى ممارسة مؤسساتية واضحة، من دون تجاوز القانون أو تحويل الإصلاح إلى تصفية حسابات.
فالبابا لم يقل للبطاركة أن يغادروا مواقعهم؛ بل ذكّرهم بأن الموقع الكنسي ليس ملكاً شخصياً، وأن السلطة التي لا تتقدم فيها الخدمة على الامتياز تفقد جزءاً أساسياً من معناها الروحي. وربما يكون هذا هو المدخل الأكثر جدية لأي إصلاح. فليس البحث أولاً عمّن يجب أن يرحل، بل الاتفاق على قواعد تجعل الخدمة فوق الأشخاص، والكنيسة فوق المصالح، والمسؤولية فوق السلطة.











اترك ردك