تعيد النقاشات التي شهدتها نقابتا المحامين في بيروت وطرابلس حول “اقتراح قانون حماية النساء من العنف الرقمي” طرح سؤال عملي يتجاوز النص التشريعي، وهو ما الذي يحدث فعلاً حين تتلقى طالبة تهديداً بنشر صور أو مقاطع لها، حقيقية كانت أم مفبركة بالذكاء الاصطناعي، وما الأدوات القانونية المتاحة لحمايتها اليوم، في ظل غياب قانون خاص بهذا النوع من العنف.
وبحسب ما قال مصدر نقابي متابع لـ”لبنان24″، فإنّ الاقتراح الذي قُدّم إلى مجلس النواب في شباط الماضي لم يدخل بعد حيز التنفيذ الفعلي أو التطبيق على أرض الواقع، بل يمر بمرحلة حشد الدعم والتأييد والترويج له، ويتناول التجريم والعقوبات ووسائل الإثبات الرقمي وأوامر الحماية وحقوق الضحايا، إلى جانب تدابير وقائية ومؤسساتية، فيما ركّزت النقاشات على ابتزاز طالبات المدارس والخوف الذي يرافقهن من وصول المحتوى إلى عائلاتهن، وعلى أشكال جديدة تتجاوز التحرش والتهديد، مثل التزييف العميق واستنساخ الأصوات وفبركة المحتوى.
وفي الواقع الحالي، يبدأ مسار الحماية عادة بشكوى أمام مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية في قوى الأمن الداخلي أو أمام النيابة العامة، ويستند الادعاء إلى نصوص عامة في قانون العقوبات تجرّم التهديد والابتزاز والتشهير، إضافة إلى قانون تجريم التحرش الجنسي الصادر عام 2020 الذي يشمل الوسائل الإلكترونية، غير أنّ هذه النصوص صيغت لجرائم تقليدية، ولا تقدّم جواباً واضحاً عن المحتوى المفبرك، إذ قد تجد الضحية نفسها مطالبة بإثبات أنّ الصورة أو الصوت ليسا لها، في حين ينتشر المحتوى بسرعة تفوق قدرة أي إجراء قضائي على اللحاق به.
وبحسب المصدر، تتمثل الثغرة الأبرز في غياب أوامر حماية عاجلة خاصة بالعنف الرقمي، فقانون حماية النساء من العنف الأسري يتيح هذه الأوامر، لكنه يقتصر على العلاقات داخل الأسرة، ما يعني أنّ طالبة يبتزها زميل أو شخص مجهول عبر الإنترنت لا تملك آلية سريعة لإلزامه بالتوقف أو لإجبار المنصات على حذف المحتوى، فيما يتعقّد الأمر أكثر حين يكون المبتز خارج لبنان أو يستخدم حسابات وهمية.
ويضاف إلى الثغرات القانونية عائق اجتماعي لا يقل أهمية، فالخوف من الفضيحة ونظرة العائلة والمحيط يدفعان الكثير من الفتيات إلى الصمت أو الرضوخ للمبتز بدل التبليغ، وهو ما يمنح الجاني مساحة أوسع للاستمرار، ويجعل خطوط الدعم التي توفرها جمعيات مدنية الملجأ الأول لكثيرات قبل الوصول إلى الأجهزة الرسمية.
ومن هنا، لا يكمن التحدي في إقرار قانون جديد فحسب، بل في بناء مسار متكامل يبدأ من المدرسة والعائلة، ويمر بآلية تبليغ آمنة تحفظ سرية الضحية، وصولاً إلى قضاء قادر على إصدار قرارات عاجلة بالحذف والمنع، وأجهزة مجهزة تقنياً لكشف المحتوى المفبرك، لأنّ التكنولوجيا التي تتطوّر بوتيرة متسارعة تجعل كل تأخير تشريعي فرصة إضافية للمبتزين.












اترك ردك