العفو العام… حدود الاجتهاد أمام إلزامية القرار الدستوري

لا تنتهي إشكاليات قانون العفو العام عند حدود النص التشريعي، بل تبدأ فعليًا عند وضعه موضع التنفيذ، حيث يصبح تفسير مواده وتحديد نطاق المستفيدين منه اختبارًا لمدى احترام الضوابط الدستورية ومبدأ المساواة أمام القانون. فالعفو، الذي يضع حدًا للملاحقة أو العقوبة في حالات محددة، لا يعني بالضرورة طيّ صفحة الجريمة بكل تداعياتها، ولا يبرّر المساس بحقوق المتضررين أو فتح الباب أمام تفاوت في تطبيق القانون.

في هذا السياق، كرّس قانون العفو العام رقم 70 الصادر في 4 أيلول 2026، وقرار المجلس الدستوري رقم 12 الصادر في 12 تشرين الأول 2026، إشكالية أساسية تتجاوز البعد الإجرائي إلى جوهر العدالة لجهة أين تنتهي صلاحية المشرّع في منح العفو، وأين تبدأ حقوق الضحايا التي لا يجوز إسقاطها تلقائيًا؟

فالمادة الرابعة من القانون أبقت الحق الشخصي قائمًا، بما يتيح للمتضررين المطالبة بالتعويض أمام المرجع القضائي المختص، وفق طبيعة الدعوى والمرحلة التي بلغتها قبل نفاذ القانون، وبذلك، فإن سقوط الدعوى العامة لا يعني سقوط حق المتضرر في المطالبة بجبر الضرر، سواء كان ماليًا أو جسديًا أو معنويًا غير أن الاحتفاظ بهذا الحق لا يضمن التعويض تلقائيًا، إذ يبقى إثبات الضرر والمسؤولية شرطًا أساسيًا للحصول عليه.

وقد جاء قرار المجلس الدستوري ليضع حدودًا لتفسير بعض أحكام العفو، مؤكدًا ضرورة عدم توسيع مفاعيله على نحو يمسّ حقوق الغير أو يطاول عقوبات تأديبية مستقلة عن الملاحقة الجزائية. فالعفو، مهما اتسع نطاقه، لا يمكن أن يتحول إلى تسوية شاملة تمحو جميع الآثار القانونية للجريمة أو تنتقص من حقوق أشخاص لم يكونوا مسؤولين عنها.

لكن الإشكالية لا تقف عند حقوق الضحايا، بل تمتد إلى تحديد المستفيدين من القانون نفسه، مع بروز خلاف حول معيار تكرار الملاحقات وتكرار الأحكام، ولا سيما في جرائم المخدرات، ففي حين تشير أوساط قضائية إلى أن المجلس الدستوري حسم المسألة باعتماد معيار تكرار الأحكام، لا مجرد تكرار الملاحقات، أثار موقف المدعي العام التمييزي أحمد رامي الحاج تساؤلات حول كيفية تطبيق هذا المعيار، بعدما أشار في تعميمه وتصريحه من مقر المجلس الدستوري إلى تكرار الملاحقات، سواء صدرت أحكام قضائية بشأنها أم لم تصدر.

وهذا التباين ليس تفصيلًا تقنيًا يمكن تجاوزه بتفسير إداري، بل مسألة تمسّ مبدأ المساواة أمام القانون، لأن اعتماد معيار الملاحقة بدل الحكم قد يفضي إلى اختلاف في تحديد المستفيدين من العفو، رغم تشابه أوضاعهم القانونية، فالملاحقة لا تعني الإدانة، ولا يجوز التعامل مع مجرد الاتهام كما لو أنه حكم يثبت المسؤولية، ومن هنا، تتجه الأنظار إلى التعميم الجديد الذي أعلن الحاج عزمه على إصداره وإحالته إلى المجلس الدستوري، في انتظار توضيح المعيار المعتمد ووضع حدّ للاجتهادات المتباينة.

ومن الثابت، كما يقول الخبير الدستوري الدكتور جهاد اسماعيل، أن المدعي العام التمييزي تبنّى تفسير المجلس الدستوري في الشكل، لكن خالفه، ولو جزئيًا، في المضمون لجهة اعتماد تفسيرات مخالفة وذلك في المؤتمر الصحفي الّذي عقده يوم الخميس الفائت أو لجهة إصدار تعميم يطرح، من الناحية العملية، شرطًا جديدًا لم يقره المشرّع في قانون العفو العام، ذلك أن قانون العفو العام يتضمّن أحكامًا فورية ومباشرة غير معلّقة على إجراء تقني أو اداري أو قضائي، لا سيما أن اجتهاد المجلس الدستوري استقر على أن النصوص التطبيقية للقانون، بصورة عامة، لا يجوز لها أن تشكّل تحويرًا للقانون أو تبديلا في إرادة المشرّع…

ويشير الى أن التكرار وفق المادة 259 من قانون العقوبات لا يتوقف على الملاحقة، بل على الأحكام المبرمة، وبالتالي إنّ الاعتداد بهذا او ذاك يتوقف على صراحة النص التشريعي، بحيث أن العودة إلى البند الخامس من المادة الثانية من قانون العفو العام نجده ينص ، كما يقول اسماعيل ، على ما يلي: “لا يستفيد من قانون العفو مرتكبو جنايات التكرار بالمخدّرات التي تزيد على المرّة الثانية، سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية” يستشف من هذا البند برأينا، قاعدتان متلازمتان لا يمكن الفصل بينهما، وإلا أُفرغ النص من مضمونه، فمفاد القاعدة الأولى أن العفو العام لا يسري على من يكرّر ارتكاب جناية المخدّرات لأكثر من المرّة الثانية. أما القاعدة الثانية، الواردة في عبارة “سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية”، فهي معطوفة على القاعدة الأولى، وتعني أن استبعاد جنايات المخدّرات التي تزيد على المرّة الثانية من العفو العام، أي المرتكبة للمرة الثالثة أو الرابعة وما بعدها، لا يتوقّف على صدور حكم قضائي مبرم، بحيث يُعتدّ بالتكرار، وفق هذا التفسير، بمجرّد الملاحقة في جناية المخدّرات، سواء صدر حكم قضائي أم لم يصدر، أي سواء كانت الجريمة لا تزال في مرحلة الملاحقة أم انتقلت إلى مرحلة المحاكمة، بدليل أن عبارة “سواء صدرت أم تصدر بها أحكام قضائية” لم ترد الا ضمن هذا الإستثناء حصرًا، وهو تأكيد يدّل على أن معيار تعدد الملاحقة يُعمل به عندما يزيد الفعل المشكو عن المرة الثانية لا قبلها..

هذا وأن التفسير الذي أدلي به لا يعطّل النص، بل ينطلق، وفق اسماعيل، من أن المشرّع تشدّد، بقصد أو من دونه، عند اقتراف جناية المخدّرات لأكثر من المرّة الثانية، فارضًا جزاءً لا يجعل الحكم المبرم شرطًا لقيام التكرار الموجب لاستبعاد العفو العام عن هذه الجريمة، وتحديدًا عند ارتكابها للمرة الثالثة أو الرابعة وما بعدها، والقول بخلاف ذلك يثير التساؤل عن الجدوى من النص على شمول الاستثناء جرائم لم تصدر بها أحكام قضائية، أو جرائم يُعتبر فيها صدور الحكم القضائي من عدمه سيّانًا للاعتداد بالتكرار. وهذا ما يتنافى مع المنطق..

ما يعزّز هذا المنحى في التحليل هو أن المجلس الدستوري، في قراره رقم 12/2026، اعتبر أن التكرار، بمفهومه القانوني المنصوص عليه في قانون العقوبات، لا يتحقّق إلا بصدور حكم سابق مبرم، ولا تكفي الملاحقة دليلًا عليه، وهذا يعني، كما يقول الخبير الدستوري، أن المجلس فسّر التكرار على أساس تعدّد الأحكام، لا تعدّد الملاحقات، ثم أكّد المجلس الموقف نفسه من خلال تحفّظ تفسيري، مفاده أن التكرار الوارد في البند الخامس من المادة الثانية من القانون يُفسَّر وفق مفهومه القانوني، أي وفق المفهوم المنصوص عليه في المادة 259 من قانون العقوبات. وبذلك، لو أراد المشرّع إخضاع هذا البند لمعيار الملاحقة، لكان نصّ على ذلك صراحةً، تمامًا كما فعل في البند الثالث عشر من المادة الثانية، الذي يستثني جرائم السرقة من العفو في حال تكرار الملاحقات أو الأحكام أكثر من مرّتين في الجنايات، وأكثر من ثلاث مرّات في الجنح”.

وبالعودة إلى أحكام المادة 13 من قانون انشاء المجلس الدستوري يتبين، كما يقول الدكتور اسماعيل، أن قرارات المجلس الدستوري تتمتع بقوة القضية المقضية، وهي ملزمة للمراجع القضائية ومن بينها النيابة العامة التمييزية التي لا تستطيع مخالفة قرار المجلس سواء لجهة الحيثيات أو لجهة الفقرة الحكمية، وبالتالي إنّ تفسيرات المجلس تعتبر جزءا من قرار المجلس حيث لا يجوز لأي سلطة مخالفتها، مما يعني أن أيّ تعميم يصدره المدعي العام التمييزي يجب أن ينطلق، كليا، من فحوى قرار المجلس وتفسيراته..

وبالتالي، فإن التعميم المزمع صدوره لا يقتضيه قانون العفو العام، كما لا يقتضيه قرار المجلس الدستوري، وهو إن صدر فلا يجوز، بحسب اسماعيل، أن يخالف ما فسّره المجلس الدستوري في قراره رقم 12/2026، بحيث أن أيّ تعميم لاحق لا ينطلق من القرار نفسه لا قيمة قانونية له الا بمقداد ما يتوافق مع قانون العفو العام وقرار “الدستوري”.