من الفضاء أم من الأرض؟ سؤال جديد حول نشأة الحياة

لطالما اعتقد علماء أن المذنّبات ربما أدّت دوراً أساسياً في نشأة الحياة على الأرض، عبر نقل جزيئات عضوية ومكوّنات كيميائية ضرورية لظهور الحياة من الفضاء. لكن دراسة جديدة تشكّك في هذه الفرضية، بعدما أظهرت محاكاة حاسوبية أن الاصطدامات العنيفة قد تكون دمّرت معظم هذه المواد قبل أن تتمكن من الوصول إلى سطح الأرض.

وبحسب تقرير نشرته شبكة “CNN” في 31 تشرين الأول، أجرى فريق بقيادة باحثين من جامعة كامبريدج محاكاة لظروف اصطدام المذنّبات بالأرض في مراحلها الأولى، وركّز على مادة سيانيد الهيدروجين (HCN)، وهي مركّب كيميائي يُعدّ من المواد الأولية المهمة في التفاعلات التي قد تؤدي إلى تكوّن اللبنات الأساسية للحياة.

وأظهرت النتائج أن سرعة المذنّبات عند دخولها الغلاف الجوي واصطدامها بالأرض كانت مرتفعة إلى درجة تجعل بقاء هذه الجزيئات سليمة أمراً بالغ الصعوبة، إذ يمكن للحرارة والضغط الناتجين عن الاصطدام أن يدمّراها. كما أن المذنّبات التي قد تنجح في إيصال بعض هذه المواد إلى المحيطات لا تضمن توفير تركيز كافٍ منها، بسبب ذوبانها وتخفيفها في المياه.

وشملت المحاكاة 100 ألف سيناريو، أظهرت 54% منها عدم حدوث أي اصطدام ينجح في إيصال كمية كافية من سيانيد الهيدروجين إلى اليابسة، فيما شهدت النسبة المتبقية اصطداماً واحداً على الأقل، لكن الباحثين وصفوا الحالات الناجحة بأنها نادرة وتتطلب توافر ظروف دقيقة، بينها سرعة الاصطدام وزاويته ومكانه.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، عالم الفلك في جامعة كامبريدج ريتشارد أنسلو، إن النتائج تشير إلى أن المذنّبات لم تكن مصدراً فعالاً كما كان يُعتقد سابقاً في توفير المواد اللازمة للتفاعلات الكيميائية السابقة لظهور الحياة. لكنه شدد على أن الدراسة لا تستبعد بصورة قاطعة احتمال حدوث اصطدام ناجح، وإن كانت تجعل هذا الاحتمال محدوداً للغاية.

ولا تعني هذه النتائج أن العلماء توصلوا إلى تفسير نهائي لكيفية نشأة الحياة، بل تفتح المجال أمام فرضيات أخرى. ومن بينها احتمال أن تكون الأرض البدائية قد أنتجت هذه المركّبات من خلال تفاعلات كيميائية في غلافها الجوي، بفعل البرق أو الحرارة الناتجة عن اصطدام الكويكبات، أو أن تكون الكويكبات نفسها قد ساهمت في نقل مواد عضوية إلى سطح الكوكب.

كما تطرح الدراسة احتمالاً مختلفاً يتعلق بكوكب المريخ، إذ إن حجمه الأصغر وغلافه الجوي الأقل كثافة يجعلان سرعة اصطدام المذنّبات به أقل، ما قد يزيد فرص وصول بعض الجزيئات العضوية سليمة إلى سطحه. ولا يثبت ذلك أن الحياة نشأت على المريخ بهذه الطريقة، لكنه يضيف مساراً جديداً إلى البحث في تاريخه وظروفه القديمة.

في المقابل، حذّرت عالمة علوم الأرض في جامعة رويال هولواي بلندن كوينّي تشان، التي لم تشارك في الدراسة، من اعتبار النتائج نفياً كاملاً لدور المذنّبات، مشيرة إلى أن بعض المواد العضوية قد تكون خضعت لتفاعلات كيميائية قبل دخولها الغلاف الجوي للأرض، ما قد ينتج مركّبات أكثر قدرة على تحمّل الاصطدام.

وبذلك، لا تنهي الدراسة فرضية مساهمة المذنّبات في نشأة الحياة، لكنها تضع علامات استفهام حول قدرتها على نقل المواد الكيميائية الأساسية إلى الأرض بالكمية والتركيز اللازمين.