تتوالى في السنوات الأخيرة مشاهد السيول الجارفة والعواصف المفاجئة وموجات الحر القياسية في مناطق مختلفة من العالم، ما يعيد طرح سؤال بات يشغل العلماء والرأي العام على حد سواء حول ما إذا كانت هذه الظواهر جزءاً من التقلبات الطبيعية التي عرفها الكوكب عبر تاريخه، أم أنها مؤشر على تحوّل أعمق في النظام المناخي، وهو ما تحاول أحدث الدراسات العلمية الإجابة عنه بالأرقام.
ولا ينفي العلماء أنّ الطقس المتطرف كان موجوداً دائماً، إلا أنّ الفارق اليوم يكمن في وتيرته وشدته، إذ يستند التفسير العلمي إلى قاعدة فيزيائية واضحة، مفادها أنّ الغلاف الجوي الأكثر دفئاً يحمل كمية أكبر من الرطوبة، ما يرفع احتمالات الأمطار الغزيرة والسيول المفاجئة. وتتقاطع هذه القاعدة مع ما رصده التقرير الأممي الأخير حول حالة المناخ، الذي أكد أنّ السنوات الممتدة بين 2015 و2025 هي الاكثر حرارة على الإطلاق منذ بدء التسجيل، وأنّ 2025 جاء ثاني أو ثالث أحرّ عام بنحو 1.43 درجة مئوية فوق متوسط ما قبل الثورة الصناعية، فيما تسببت موجات الحر والجفاف والأعاصير والفيضانات خلال ذلك العام بآلاف الوفيات وخسائر بمليارات الدولارات.
في هذا السياق تقول الباحثة في علوم النظام الأرضي الاستاذة ميساء ابي المنى لـ”لبنان24” أن دراسات “الإسناد المناخي” ذهبت أبعد من ذلك، إذ باتت قادرة على قياس دور الاحترار في كل كارثة على حدة، فقد خلصت دراسة نُشرت مطلع العام الحالي حول فيضانات فالنسيا الإسبانية إلى أنّ التغير المناخي رفع معدل هطول الأمطار خلال ست ساعات بنسبة 21%، ووسّع المساحة التي تجاوزت فيها الأمطار 180 ملم بنسبة 55%، كما وجدت دراسة أخرى أنّ الأمطار الغزيرة التي ضربت غرب أفريقيا باتت أكثر احتمالاً بخمس مرات مقارنة بأواخر القرن التاسع عشر، مع زيادة في شدتها تراوحت بين 4% و23%. واللافت ما كشفته دراسة صدرت قبل أيام حول العاصفة “بوريس” التي ضربت وسط أوروبا، إذ تشير إلى أنّ الاكتفاء بقياس أثر المناخ على الأمطار لا يعكس حجم تأثيره الفعلي على الفيضانات، أي أنّ الخطر الحقيقي أكبر مما تُظهره كميات المتساقطات وحدها.
أما ما ينتظر الأرض في المدى القريب، فترسم توقعات المنظمة العالمية للأرصاد صورة مقلقة، إذ تقدّر أنّ هناك احتمالاً بنسبة 86% أن يتجاوز أحد الأعوام بين 2026 و2030 عام 2024 كأحرّ عام مسجّل، واحتمالاً بنسبة 91% أن تتخطى الحرارة عتبة 1.5 درجة مئوية مؤقتاً في عام واحد على الأقل، مع ترجيح عودة ظاهرة “إلنينيو” أواخر 2026، ما يرفع فرص أن يكون 2027 العام القياسي المقبل.
وتقول ابي المنى:” تبدو منطقتنا في قلب هذا التحول، إذ تُصنّف دراسة علمية موسعة شرق المتوسط والشرق الأوسط كبؤرة ساخنة ترتفع حرارتها بوتيرة تقارب ضعف المعدل العالمي، وتتوقع أن تشهد موجات جفاف وعواصف ترابية وأمطاراً طوفانية وسيولاً مفاجئة، مع احتمال أن يصل الاحترار إلى 5 درجات مئوية أو أكثر بنهاية القرن إذا استمرت الانبعاثات على مسارها الحالي، وهو ما يعني أنّ دولاً مثل لبنان ستواجه مفارقة صعبة تجمع بين شح المياه على مدار العام وأمطار عنيفة تهطل في ساعات قليلة، ما يجعل جاهزية البنى التحتية وشبكات تصريف المياه مسألة أمان لا تحتمل التأجيل”.
تبقى الخلاصة أن الطقس المتطرف أصبح أشد وأكثر تكراراً مع الاحترار، وأن لبنان، الواقع في منطقة ترتفع حرارتها أسرع من المعدل العالمي، يحتاج إلى بنى تحتية وشبكات تصريف جاهزة لمواجهة أمطار عنيفة تأتي بعد فترات من الشح.











اترك ردك