فالمشكلة لم تعد في النصوص التي وُقعت، بل في الإرادة السياسية لترجمتها. وكل يوم يمر من دون انسحاب إسرائيلي من المناطق التي يفترض أن تشكل باكورة التنفيذ، يضعف الثقة بالاتفاق، ويمنح معارضيه مادة إضافية للتشكيك في جدواه، بل للقول إنه منح إسرائيل الوقت لتكريس وقائع ميدانية جديدة بدل إلزامها بالتراجع عنها.
ومن هنا، تبدو الهواجس التي تعبّر عنها قوى سياسية لم تقتنع أصلاً بـ”اتفاق الإطار” أكثر حضوراً اليوم. فهي ترى أن الاندفاعة الرئاسية نحو توقيع الاتفاق كانت سابقة لأوانها، وأن الضمانات التي قُدمت للبنان لم تتحول حتى الآن إلى خطوات عملية على الأرض، ما يجعل الاتفاق، في نظرها، أقرب إلى إطار سياسي منه إلى آلية تنفيذية ملزمة.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لم يقدّم الاتفاق يوماً على أنه إنجاز مكتمل أو تسوية مثالية، بل اعترف بصراحة بأنه “ليس مثالياً”، واضعاً معارضيه أمام تحدٍ واضح عمّا إذا كان لديهم بديل أكثر قدرة على وقف الحرب، واستعادة الأرض، وإعادة الأهالي إلى قراهم، وإنقاذ لبنان من دورة جديدة من الدمار، فليتقدموا به.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية. فالرئيس عون انطلق من مقاربة براغماتية تعتبر أن السياسة هي فن الممكن، وأن إنهاء حرب غير متكافئة ألحقت بالجنوب دماراً هائلاً، ووضعت البلاد أمام مخاطر مفتوحة، يقتضي أحياناً القبول بتسويات غير مثالية، شرط أن تفتح الباب أمام استعادة الاستقرار واستكمال استعادة السيادة. أما خصوم الاتفاق، فينطلقون من قناعة مفادها أن أي تسوية لا تلزم إسرائيل بتنفيذ كامل تعهداتها منذ اللحظة الأولى، تحمل في طياتها عناصر ضعف قد تستغلها تل أبيب لاحقاً.
وبين هذين المنطقين، يبقى الامتحان الحقيقي بعيداً من السجالات السياسية. فهو امتحان التنفيذ. فإذا نجحت الولايات المتحدة في إلزام إسرائيل بالشروع في تنفيذ الانسحابات المتفق عليها، فقد يستعيد الاتفاق جزءاً من صدقيته. أما إذا استمرت المماطلة الإسرائيلية، فإن النقاش الداخلي لن يعود مقتصراً على تقييم الاتفاق، بل سيتحول إلى مساءلة حول جدوى الرهان على الضمانات الدولية، وما إذا كانت كافية لحماية الحقوق اللبنانية.
فالحكم النهائي على “اتفاق الإطار” لن يُكتب في البيانات الرسمية ولا في الخطابات السياسية، بل على تراب الجنوب نفسه. هناك فقط سيتبين ما إذا كان الاتفاق بداية مسار لاستعادة الأرض والاستقرار، أم مجرد محطة مؤقتة في صراع لم يقل كلمته الأخيرة.












اترك ردك