الأهالي يدفعون والاحتراف نادر جدا.. ماذا تقدّم أكاديميات الكرة في لبنان؟

لم تعد أكاديميات كرة القدم في لبنان نشاطاً محدوداً يملأ وقت الأطفال، بل تحولت إلى قطاع واسع يستقطب آلاف اللاعبين مقابل رسوم تختلف بين أكاديمية وأخرى، وتضاف إليها أحياناً كلفة الملابس والبطولات والنقل والسفر.

 

ويظهر حجم هذا القطاع من مشاركة أكثر من 30 أكاديمية في دوري “Gen Alpha”، الذي شهد إقامة نحو 600 مباراة خلال سبعة أسابيع من مرحلته الأولى، هذا عدا عن المسجلين كلاعبين او مدربين في مختلف الاكاديميات اللبنانية. لكن هذه الأرقام تقيس حجم المشاركة، ولا تجيب عن السؤال الأساسي: كم لاعباً انتقل من هذه الأكاديميات إلى فريق أول، وكم واحداً وقّع عقداً احترافياً داخل لبنان أو خارجه؟

 

ماذا يحصل اللاعب مقابل الرسوم؟

في أحد عروض التسجيل المنشورة  لاحدى الاكاديميات حُدد الرسم بـ100 دولار مقابل حصتين أسبوعياً، و135 دولاراً مقابل حصتين تدريبيتين ويوم للمباريات. ولا يمكن اعتماد هذه التسعيرة مقياساً لكافة الأكاديميات، لكنها تعطي فكرة عن الكلفة التي يمكن أن تتحملها العائلة، قبل احتساب المصاريف الإضافية. ولا تعني الرسوم وحدها أن الأكاديمية تحقق أرباحاً كبيرة. فتشغيلها يتطلب استئجار الملاعب، ودفع أجور المدربين، وشراء التجهيزات، وتسديد رسوم المشاركة في البطولات، وتأمين النقل والإدارة والخدمات الطبية. وقد تستهلك هذه النفقات الجزء الأكبر من المبالغ المحصلة.

 

المشكلة تبدأ عندما لا يعرف الأهل بدقة ما الذي تغطيه الرسوم. هل تشمل التأمين ضد الإصابات؟ وهل يوجد معالج فيزيائي أو فحص طبي؟ وما مؤهلات المدرب؟ وكم لاعباً يشرف عليه في الحصة الواحدة؟ وهل يخوض الطفل مباريات رسمية، أم يكتفي بحصتين تدريبيتين أسبوعياً؟ هذه التفاصيل هي التي تحدد ما إذا كان الاشتراك يدفع مقابل تدريب منظم، أو مقابل استخدام ملعب وارتداء قميص يحمل اسم أكاديمية.

 

الكؤوس لا تعني صناعة محترفين

تعتمد أكاديميات كثيرة في تسويقها على صور الكؤوس والمشاركات الخارجية والاختبارات التي يخوضها لاعبوها. لكن الفوز ببطولة للفئات العمرية لا يساوي تلقائياً إعداد لاعب قادر على دخول كرة القدم الاحترافية. فصناعة اللاعب تحتاج إلى برنامج يمتد لسنوات، يشمل التدريب الفني والبدني، والمنافسات المنتظمة، والتغذية، والعلاج، وتحليل الأداء والمتابعة الفردية. كما تحتاج إلى مرحلة انتقال واضحة بين الأكاديمية وفرق الشباب، ثم الفريق الرديف أو الأول.

 

وفي كانون الثاني 2026، أعلن الاتحاد الآسيوي حصول أكاديميات في للبنان على تصنيف النجمة الواحدة ضمن برنامجه للنخبة. ويعني ذلك امتلاكها أساساً منظماً في التدريب والمنهجية ورعاية اللاعبين والتخطيط الطويل. ولا يعني غياب التصنيف أن بقية الأكاديميات فاشلة، لكنه يكشف محدودية عدد الجهات التي خضعت لمعيار فني خارجي معلن.

 

أما المشكلة الأوسع فهي غياب قاعدة بيانات متاحة للأهالي. فلا توجد أرقام موحدة توضح عدد المنتسبين إلى كل أكاديمية، وعدد المدربين المؤهلين، ونسبة اللاعبين المسجلين رسمياً، أو عدد من انتقلوا إلى الأندية خلال السنوات الأخيرة.

 

وبذلك، يستطيع أي مشروع عرض عدد فروعه وبطولاته، من دون أن يكشف نسبة النجاح الفعلية. وإذا ضمت أكاديمية 500 لاعب وانتقل منها خمسة إلى أندية محلية، فلا يكفي الإعلان عن أسماء الخمسة، بل يجب توضيح أنهم يمثلون واحداً في المئة من مجموع المنتسبين.

 

الحلقة المفقودة مع الأندية

 

لا تعمل كل الأكاديميات اللبنانية بالطريقة نفسها. فبعضها تابع لنادٍ أو يملك فريقاً يشارك في بطولات الاتحاد، فيما يعمل بعضها الآخر بصورة مستقلة ويكتفي بالتدريب والبطولات الخاصة. هذا الفارق أساسي. فالأكاديمية المرتبطة بنادٍ تستطيع نقل اللاعب إلى فرق الفئات العمرية ثم الفريق الأول ضمن مسار واضح. أما الأكاديمية المستقلة، فقد تصل باللاعب إلى عمر 17 أو 18 عاماً من دون أن تملك فريقاً يمكنه الانتقال إليه، فتبدأ عندها عملية البحث عن نادٍ يقبله.

 

وتزداد المشكلة مع محدودية إمكانات الأندية اللبنانية وعدم قدرتها على تمويل فرق شبابية متكاملة أو توقيع عقود طويلة مع المواهب. وهكذا يبقى اللاعب بين أكاديمية أنهى مرحلته فيها ونادٍ لا يملك المكان أو المال لاستقباله.

 

كما أن الاحتراف في الخارج ليس عملية مباشرة. فقد حدّث “فيفا” في شباط 2026 قواعد انتقال القاصرين، التي تحظر أساساً الانتقال الدولي لمن هم دون 18 عاماً، باستثناء ست حالات محددة تحتاج إلى موافقة مسبقة. ولذلك، لا تعني دعوة اللاعب إلى اختبار أو بطولة أوروبية أنه أصبح قريباً من توقيع عقد.

 

وعندما يبلغ اللاعب 18 عاماً، يكون منافساً لآلاف المواهب التي خاضت سنوات من المباريات الرسمية داخل أندية كبيرة.

 

التسجيل يحفظ حق الأكاديمية واللاعب

توجد مشكلة أخرى لا تظهر للأهل، تتعلق بالتسجيل الرسمي. يعتمد “فيفا” على جواز إلكتروني يتضمن تاريخ اللاعب والأندية التي تدرب معها منذ عام بلوغه الثانية عشرة، ومن خلاله تُحدد تعويضات التدريب عند توقيعه أول عقد احترافي أو انتقاله دولياً. لكن الاستفادة من هذه الآلية تتطلب أن يكون اللاعب مسجلاً رسمياً، وأن تكون الجهة التي دربته نادياً معترفاً به ويحمل رقماً في نظام “فيفا”. أما السنوات التي يقضيها داخل جهة غير مسجلة، فقد لا تظهر في جوازه الرياضي، وبالتالي لا تحصل الأكاديمية على مقابل إذا انتقل لاحقاً بمبلغ كبير.

 

هذه الثغرة تضعف الحافز المالي لصناعة اللاعبين. ففي الخارج، يمكن للنادي الذي أنفق على موهبة لسنوات استعادة جزء من استثماره عند انتقالها. أما الأكاديمية التي تعتمد فقط على اشتراكات الأهالي، فتبقى مصلحتها المالية مرتبطة باستمرار أكبر عدد من الأطفال في الدفع، لا بالضرورة بانتقال أفضلهم إلى نادٍ آخر.

 

لماذا يتعثر اللاعب اللبناني؟

لا تتحمل الأكاديميات وحدها مسؤولية ضعف الانتقال إلى الاحتراف. فالأزمات المالية والأمنية تقطع التدريبات والبطولات، وترفع كلفة الملاعب والنقل والسفر. كما يواجه اللاعب صعوبة في التوفيق بين المدرسة وبرنامج تدريبي جدي، في ظل غياب نظام تعليمي مرن للمواهب الرياضية.

 

وتبقى المنافسات المنتظمة عقدة أساسية. فاللاعب يحتاج إلى عشرات المباريات الرسمية سنوياً، لا إلى حصص تدريبية ومهرجانات متفرقة. ويحتاج أيضاً إلى كشّافين، وملف رقمي موثق، وقياسات بدنية، ومقاطع كاملة لمبارياته، لا إلى فيديو قصير يظهر أفضل لمساته فقط.

 

وفي الخارج، تكون الأكاديمية جزءاً من منظومة تبدأ من فرق الصغار وتمر بفرق الشباب والرديف وتنتهي بالفريق الأول. أما في لبنان، فكثيراً ما تعمل كل حلقة وحدها حيث ان الأكاديمية تدرب، والنادي يبحث عن لاعب جاهز، والاتحاد ينظم البطولات، من دون مسار موحد ينقل الموهبة من مرحلة إلى أخرى.