الشحن العالمي يدفع ثمن حرب إيران

كتب موقع “بلومبيرغ”: تبحر سوق الشحن العالمية في مياه مضطربة منذ أكثر من ست سنوات، بدءاً من طفرة جائحة كورونا وانهيارها، مروراً بالحرب الروسية على أوكرانيا، وصواريخ الحوثيين التي أغلقت قناة السويس عملياً، ثم موجة الرسوم الجمركية العام الماضي، وصولاً إلى الحصار المفروض على مضيق هرمز.


ولا يُرجح أن تنحسر هذه الاضطرابات؛ فاتفاق وقف إطلاق النار الذي توصل إليه الرئيس دونالد ترامب مع إيران ليس سوى إطار عام يؤجل التفاصيل الصعبة إلى وقت لاحق.

ويركز ترامب على إعادة فتح مضيق هرمز، بوابة الشحن التي يمر عبرها نحو 20% من إنتاج النفط العالمي، في أسرع وقت ممكن لخفض أسعار البنزين وتهدئة التضخم قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

وسيكون التوصل إلى اتفاق شامل مع إيران أمراً بالغ الصعوبة، لذلك لا ينبغي استبعاد تمديد مهلة الستين يوماً المخصصة لحسم تلك التفاصيل، ولا سيما ما يتعلق بتخلي إيران عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، وربما يستمر التمديد حتى يوم الانتخابات.

أمام ترامب نافذة زمنية قصيرة لإعادة تدفق النفط من مياه الخليج العربي، وهو العامل الأساسي لخفض أسعار خام “برنت” القياسي، التي قفزت من نحو 60 دولاراً للبرميل في بداية العام إلى أكثر من 100 دولار بعدما بدأت الولايات المتحدة قصف إيران بالتنسيق مع إسرائيل في نهاية شباط.

ورغم الهجوم الأميركي المكثف، أثبت “الحرس الثوري” الإيراني أنه يستطيع بسهولة تعطيل حركة السفن باستخدام الألغام والزوارق السريعة المسلحة بالصواريخ. وخلال فترة مثيرة للإحباط، كانت سفن النفط المدعومة من إيران تعبر المضيق، بينما ظلت جميع السفن الأخرى عالقة في الموانئ. ورد ترمب بوقف حركة السفن بالكامل في مياه الخليج العربي، ما فرض ضغوطاً مالية إضافية على إيران، لكنه زاد اختناق سوق النفط.

التضخم وتكاليف النقل
كان لارتفاع أسعار البنزين منذ اندلاع الحرب التأثير الأكثر مباشرة وفورية في الأميركيين، ما جعله، سواء كان ذلك صائباً أم لا، مقياساً لحالة الاقتصاد. كما جاء تأثير فوري آخر من تكاليف النقل، التي زادت أيضاً ضغوط التضخم، إذ قفز معدل التضخم السنوي في مايو إلى 4.2%، من 2.4% في يناير.

لكن مذكرة التفاهم التي وقعها ترامب وإيران لا تمنح، للأسف، الشركات التي تنقل السلع بحراً وبراً وعبر السكك الحديدية قدراً يُذكر من الوضوح بشأن المستقبل القريب.

أدركت شركات النقل منذ وقت طويل أن هوامش أرباحها الضئيلة لا تتيح لها استيعاب الزيادات المفاجئة في أسعار الوقود. لذلك اعتمد قطاع الشحن، سواء في الشحن الجوي أو النقل البحري أو القطارات أو الشاحنات، رسوماً إضافية على الوقود لتمرير تكاليف الطاقة المرتفعة إلى شركات شحن البضائع. ويتعين على هذه الشركات، ومعظمها من تجار التجزئة والمصنعين والموزعين، أن تختار بعد ذلك بين تحمل أثر ارتفاع تكاليف الشحن أو تمريره إلى المستهلك.

ومن المنتظر أن تبدأ الرسوم الإضافية على الوقود في التراجع إذا صمد وقف إطلاق النار، وأُعيد فتح مضيق هرمز بالكامل أمام حركة السفن، وإن كان من غير الواضح مدى سرعة عودة تدفقات النفط إلى طبيعتها.

وستظل موازنة العرض والطلب أقرب إلى لعبة تخمين، في ظل سعي منتجي النفط الخليجيين إلى تصريف الخام الذي اضطروا إلى تخزينه، بالتزامن مع محاولة الدول إعادة ملء مخزوناتها الاستراتيجية. ويُتوقع أن ينخفض المعروض العالمي من النفط بمقدار 3.9 مليون برميل يومياً، إلى متوسط 102.4 مليون برميل يومياً هذا العام، حتى مع وقف إطلاق النار، وفق تقرير صادر عن وكالة الطاقة الدولية. كما يُتوقع أن ينتعش الإنتاج بمقدار 8 ملايين برميل يومياً في 2027.

أسعار الشحن البحري
مع انخفاض أسعار النفط الخام، يُفترض أن تتجه أسعار شحن الحاويات بحراً إلى التراجع أيضاً، لكن هذا المسار ينطوي بدوره على تعقيدات. فقد زاد سعر الشحن على خط شنغهاي إلى لوس أنجلوس القياسي بأكثر من الضعف منذ فبراير، ليصل إلى 5142 دولاراً للحاوية، وفقاً لشركة “درويري” (Drewry).

وعمد العديد من أصحاب الشحنات إلى تقديم مواعيد نقل بضائع موسم الذروة ومستلزمات العودة إلى المدارس بسبب حالة عدم اليقين الجيوسياسي. وأخفى هذا التبكير في الشحن، إلى جانب طاقات النقل العالقة في مياه الخليج العربي، حيث لا تزال نحو 500 سفينة عالقة داخله، حقيقة أن قطاع النقل البحري لا يزال يعاني فائضاً في الطاقة الاستيعابية.

ومع وجود اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز، قد يفكر العاملون في قطاع الخدمات اللوجستية في الانتظار إلى أن تنخفض أسعار الشحن البحري في وقت لاحق من هذا الصيف.

أما بالنسبة إلى التضخم الأوسع نطاقاً، فربما يكون الأوان قد فات بالفعل. وقد لا تنخفض الأسعار سريعاً في ظل اندفاع محموم إلى تكوين مخزونات من السلع والنفط قبل اندلاع موجة جديدة من الاضطرابات.

فوقف إطلاق النار هذا ليس سوى هدنة مؤقتة ملائمة للطرفين، بينما لا يزال الصراع بين الولايات المتحدة وإيران بعيداً عن التسوية. وينبغي لدول الخليج مواصلة الاستثمار في مسارات بديلة لنقل السلع والنفط، فيما سيتعين على قطاع الشحن الاستعداد لمزيد من الاضطرابات العالمية.