النبيذ اللبناني.. صناعة تقاوم الأزمات وتبحث عن أسواق جديدة

على رغم الأزمات الاقتصادية والأمنية المتتالية التي أثّرت على مختلف القطاعات الإنتاجية، يواصل قطاع النبيذ اللبناني البحث عن مساحة أكبر في الأسواق المحلية والخارجية، مستنداً إلى قاعدة زراعية وصناعية تراكمت خبراتها على مدى عقود.

وفي أحدث خطوة لدعم القطاع، أعلنت وزارة الزراعة في 23 أيلول 2026 توقيع مذكرة تعاون بين المعهد الوطني للكرمة والنبيذ ونقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري، بهدف تعزيز حضور المنتج اللبناني في مؤسسات الضيافة وتنظيم أنشطة ترويجية مشتركة وفتح المجال أمام توسيع السوق المحلية.

ولا تقتصر أهمية النبيذ اللبناني على إنتاج العنب وتحويله إلى منتج نهائي، إذ تمتد سلسلة القيمة المضافة من المزارع والكروم إلى مصانع النبيذ والتوضيب والنقل والتسويق والسياحة والتصدير. وترى وزارة الزراعة أن القطاع يمثل نموذجاً لتحويل المحصول الزراعي من مادة أولية إلى منتج ذي قيمة مضافة، بما يخلق فرص عمل ويدعم المناطق الريفية ويربط الزراعة بالصناعة والسياحة. ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه الدولة إلى تعزيز الصناعات الزراعية والغذائية اللبنانية وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المحلية.

أرقام التصدير تكشف حجم القطاع

وفق بيانات التجارة الدولية لعام 2024، صدّر لبنان من مختلف أنواع النبيذ نحو 5.96 ملايين ليتر بقيمة تقارب 20.8 مليون دولار؛ وكانت فرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والنرويج من أبرز الأسواق المستوردة. أما النبيذ غير الفوّار المعبأ في عبوات حتى سعة لترين، فسجل وحده نحو 18.15 مليون دولار وبكمية تجاوزت 3.42 ملايين ليتر في 2024.
وتشير بيانات التجارة إلى أن السوق الأوروبية تشكل جزءاً مهماً من صادرات النبيذ اللبناني، إلى جانب الولايات المتحدة وكندا وبعض الأسواق العربية، لكن الأرقام تظهر أيضاً تحدياً مهماً: صادرات النبيذ في 2024 كانت أقل من 2023، وفق بيانات مبنية على FAOSTAT، ما يعكس الضغوط التي يواجهها القطاع في الوصول إلى الأسواق والحفاظ على مستويات التصدير.

ارتفاع الأكلاف يضغط على المنتج

إلا أن المنتج اللبناني يواجه مجموعة من التحديات تبدأ من الأرض ولا تنتهي عند التصدير. فبحسب المعهد الوطني للكرمة والنبيذ، يتحمل المنتج اللبناني ارتفاع كلفة الأرض والمياه والطاقة والعمالة والنقل والضرائب ومستلزمات الإنتاج، كما تعتمد الصناعة على استيراد بعض المدخلات، ومنها القناني والفلين والمعدات ومواد التغليف، ما يزيد كلفة المنتج ويؤثر في قدرته على المنافسة. وهذه المشكلة تصبح أكثر حساسية عندما ينافس المنتج المحلي منتجات أجنبية تأتي من دول تمتلك قطاعات زراعية وصناعية مدعومة بسياسات ومؤسسات متخصصة.

السوق المحلية.. تحدٍ إضافي

إلى جانب التصدير، تواجه الصناعة تحدياً داخل السوق اللبنانية نفسها؛ فوزارة الزراعة تحدثت مؤخراً عن ارتفاع إنتاج العنب، بالتزامن مع صعوبات في السوق المحلية والمنافسة الناتجة عن استيراد النبيذ. ولذلك تتجه الجهود الرسمية نحو تعزيز حضور المنتج اللبناني في قطاع الضيافة والسياحة.
وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة السياحة التزامها إصدار تعميم يدعو المؤسسات السياحية والمطاعم إلى إعطاء مساحة أكبر للنبيذ اللبناني في قوائمها، باعتبار القطاع جزءاً من السياحة الريفية والغذائية ومن سلسلة القيمة الاقتصادية المحلية. 

من الأزمة إلى البحث عن أسواق جديدة

لا تقتصر استراتيجية القطاع على حماية السوق المحلية، بل تشمل أيضاً البحث عن أسواق تصديرية جديدة. وكانت وزارة الزراعة قد أكدت في وقت سابق أن فتح الأسواق الخارجية وتعزيز القدرة التنافسية يمثلان أولوية للمنتجات الزراعية اللبنانية، فيما يجري العمل على تسهيل الوصول إلى الأسواق العربية والخليجية. كما بحثت الوزارة تحديداً واقع قطاع النبيذ والتحديات التي يواجهها نتيجة الكساد، وسبل تأمين أسواق إضافية لهذا المنتج. وهنا تبرز أهمية التصدير بالنسبة إلى قطاع يعتمد على منتج زراعي موسمي، إذ يسمح الوصول إلى أسواق خارجية بتوسيع قاعدة الطلب وتقليل الاعتماد على السوق اللبنانية وحدها.

ويحاول القطاع أيضاً تعزيز هوية النبيذ اللبناني في الأسواق العالمية من خلال الأصناف المحلية وتطوير المواصفات والتعريف بالمناطق المنتجة. وفي هذا السياق، تعاون لبنان مع المنظمة الدولية للكرمة والنبيذ في ملفات مرتبطة بتطوير القطاع، ومن بينها العمل على تسميات المنشأ والمؤشرات الجغرافية وتسجيل أصناف محلية مثل عبيدي ومرواح. كما حصلت زحلة على تصنيف مرتبط بالكرمة والنبيذ ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز الحضور الدولي للقطاع. وتكتسب هذه الخطوة أهمية اقتصادية، لأن حماية هوية المنتج ومصدره يمكن أن تساعد في بناء قيمة مضافة تتجاوز المنافسة على السعر وحده.

قطاع أمام اختبار الاستدامة

على المستوى العالمي، يواجه قطاع النبيذ نفسه تحولات كبيرة نتيجة تغير المناخ وتراجع الاستهلاك في بعض الأسواق الناضجة والضغوط الاقتصادية والسياسات التجارية. وتؤكد المنظمة الدولية للكرمة والنبيذ أن القطاع العالمي دخل مرحلة من التكيف مع تغير المناخ والتحولات في أنماط الاستهلاك والتجارة الدولية.

وبالنسبة إلى لبنان، تضاف إلى هذه التحديات العالمية أعباء محلية مرتبطة بالأزمة الاقتصادية وارتفاع كلفة الطاقة والنقل والمدخلات، فضلاً عن تداعيات الأوضاع الأمنية على الإنتاج والأسواق.

في الخلاصة، إن النبيذ اللبناني لم يعد مجرد محصول زراعي أو صناعة غذائية، بل أصبح جزءاً من سلسلة اقتصادية تمتد من المزارع إلى المصنع، ومن القرية إلى الأسواق العالمية. لكن الحفاظ على هذا القطاع يتطلب أكثر من زيادة الإنتاج. فالمعادلة الأساسية تكمن في خفض كلفة الإنتاج، حماية المزارع، تطوير الجودة والمواصفات، توسيع الأسواق الخارجية، وتعزيز القيمة المضافة للمنتج اللبناني.

وبين سوق محلية تواجه ضغوطاً اقتصادية وتصدير يحتاج إلى أسواق جديدة، يبدو مستقبل الصناعة مرتبطاً بقدرتها على الانتقال من مجرد الصمود أمام الأزمات إلى بناء نموذج أكثر استدامة وقدرة على المنافسة. فهل يستطيع النبيذ اللبناني أن يتحول من صناعة تقاوم الأزمات إلى قطاع تصديري أكثر تأثيراً في الاقتصاد اللبناني؟

المصدر:
خاص “لبنان24”