تقرير إسرائيلي: تداعيات الحرب تهزّ يهود الشتات

لم تعد تداعيات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني محصورة في الشرق الأوسط، بل باتت تنعكس بصورة متزايدة على حياة المجتمعات اليهودية في الخارج، من تراجع التأييد لإسرائيل والانقسامات الداخلية إلى تصاعد المخاوف من معاداة السامية وتراجع النفوذ السياسي، وفق تقرير نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، استناداً إلى دراسة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي.

وأُعدّت الدراسة،  تحت عنوان “لم نعد على الهامش: كيف يؤثر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على يهود الشتات”، بالاستناد إلى نقاشات استمرت ستة أشهر مع قيادات منظمات يهودية في الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وبريطانيا وأميركا الجنوبية.

وحدّد معدّو التقرير أربعة آثار رئيسية للصراع على يهود الشتات: تطبيع العداء لإسرائيل، وتعميق الانقسامات داخل المجتمعات اليهودية، وتراجع نفوذها السياسي، وتصاعد المخاوف من معاداة السامية.

تراجع التأييد لإسرائيل في الولايات المتحدة

بحسب التقرير، أظهر استطلاع لمركز “بيو” في آذار 2026 أن 60% من الأميركيين ينظرون إلى إسرائيل بصورة سلبية، مقارنة بـ53% عام 2025 و42% عام 2022. وارتفعت النسبة إلى 75% لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً.

وأشار التقرير إلى أن الخلاف حول السياسات الإسرائيلية بات حاضراً في النقاشات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، بما في ذلك الانتخابات التمهيدية، حيث يعارض مرشحون يساريون مبيعات الأسلحة لإسرائيل وتمويل لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية “إيباك”.

وفي أوروبا، تحدث مشاركون في الدراسة عن تنامي المقاطعة الثقافية لإسرائيل، وعن مخاوف من تحول معاداة الصهيونية إلى موقف أكثر انتشاراً في بعض الأوساط الثقافية.

ووفق التقرير، تواجه مؤسسات يهودية، بينها المعابد والمخيمات والمجموعات الطلابية والشركات المستهدفة بحملات المقاطعة، احتجاجات متزايدة، ما يجعل الأنشطة اليومية لهذه المؤسسات أكثر عرضة للجدل السياسي.

انقسامات داخل المجتمعات اليهودية

يربط التقرير جانباً من الانقسام بتراجع التأييد لحل الدولتين داخل إسرائيل، معتبراً أن هذا التراجع أضعف قدرة مؤيدي إسرائيل في الخارج على التوفيق بين دعمهم لها وتمسكهم بالقيم الديمقراطية، بعدما كان حل الدولتين يتيح لهم النظر إلى الاحتلال بوصفه وضعاً مؤقتاً.

وتفاقم هذا التباعد، بحسب الدراسة، لدى فئات من الشباب اليهود، بالتزامن مع المشاهد المتواصلة للضحايا المدنيين والمعاناة في قطاع غزة والضفة الغربية.

وأظهر استطلاع أجرته وكالة “أسوشيتد برس” ومركز “نورك” في حزيران 2026 أن 24% من اليهود الأميركيين لا يشعرون بأي ارتباط عاطفي بإسرائيل، ارتفاعاً من 20% عام 2025 و14% عام 2020 و12% عام 2013. وبلغت النسبة 39% بين الفئة العمرية من 18 إلى 29 عاماً.

كما يشير التقرير إلى أن الخلافات بشأن الحرب على غزة أدت إلى انقسامات داخل منظمات يهودية ومجموعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، بين تيارات يمينية ووسطية وليبرالية، بالتوازي مع ظهور مجموعات يهودية غير صهيونية وأخرى مناهضة للصهيونية.

تراجع النفوذ السياسي ومخاوف من معاداة السامية

ويقول معدّو الدراسة إن غياب أفق سياسي واضح لحل الصراع، إلى جانب تصريحات وسياسات إسرائيلية مثيرة للجدل، جعل الدفاع عن إسرائيل أكثر صعوبة أمام الانتقادات التي تعتبر دعمها متعارضاً مع القيم الديمقراطية.

ويستشهد التقرير بتطورات في الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا، من بينها فوز مرشحين مناهضين لإسرائيل في انتخابات تمهيدية أميركية رغم الإنفاق الكبير من “إيباك”، واتجاه الحكومة الكندية إلى إجراءات تتعلق بحظر الأسلحة والاعتراف بالدولة الفلسطينية، فضلاً عن تحركات بريطانية لحظر منتجات المستوطنات.

ويرى الباحثون أن تراجع النفوذ السياسي لا يؤثر على إسرائيل وحدها، بل يضعف أيضاً قدرة المنظمات اليهودية في الخارج على الدفاع عن مصالح مجتمعاتها المحلية.

وفي ما يتعلق بمعاداة السامية، ينقل التقرير عن استطلاع لمجموعة “ميلمان” أن 56% من الناخبين اليهود الأميركيين يشعرون بقلق شديد من أن تكون تصرفات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أسهمت في تفاقمها. كما يشير إلى أن استطلاعات اللجنة اليهودية الأميركية أظهرت أن 93% يعتبرون معاداة السامية مشكلة خطيرة.

ويتحدث التقرير عن ارتفاع تكاليف الأمن التي تتحملها المؤسسات اليهودية، وعن حوادث عنف وحرائق وطعن في كندا وبريطانيا، فضلاً عن مخاوف في أجزاء من أوروبا تدفع بعض اليهود إلى إخفاء هويتهم لتجنب التهديدات.

ويضيف أن قادة من الجاليات اليهودية يشعرون بأن الحكومة الإسرائيلية لا تأخذ في الاعتبار بما يكفي أثر خياراتها العسكرية والسياسية على سلامة اليهود في الخارج، مشيراً إلى أن التصريحات الوزارية المثيرة للجدل، وسياسات المساعدات، والعنف في الضفة الغربية من العوامل التي تزيد هذه المخاوف، وفق الدراسة.

وفي ختام التقرير، دعا الباحثون المسؤولين الإسرائيليين إلى تجنب التصريحات التي تؤجج الاتهامات بانتهاك حقوق الإنسان، والتنديد علناً بأي تصريحات من هذا النوع، إلى جانب تشديد الإجراءات ضد عنف المتطرفين في الضفة الغربية ومحاسبة المسؤولين عنه.

كما أوصوا بالإبقاء على أفق دبلوماسي لتسوية الصراع، وتوضيح الالتزام بالتوصل إلى حل قابل للاستمرار، فضلاً عن إقامة حوار مستمر مع منظمات يهود الشتات ووضع آليات داخل الوزارات الإسرائيلية لتقييم أثر السياسات الحكومية على المجتمعات اليهودية في الخارج.

ويحذّر التقرير من أن استمرار الجمود السياسي قد يعزز واقع الدولة الواحدة من دون حقوق ديمقراطية لملايين الفلسطينيين، بما يفاقم عزلة إسرائيل عن حلفائها الغربيين ويضعف قدرتها على الحفاظ على نفوذها الدولي.

وأوضح معدّو الدراسة أن الاستنتاجات والتوصيات الواردة فيها تعبّر عن آراء الباحثين، ولا تمثل بالضرورة مواقف جميع المنظمات التي شاركت في النقاشات.