وبحسب المجلة: “في آذار الماضي، ناقشت الولايات المتحدة إمكانية توغل سوري في شرق لبنان. آنذاك، أفادت التقارير أن دمشق عارضت الاقتراح؛ فقد كانت حكومة الرئيس أحمد الشرع حذرة من الانجرار إلى مواجهة إقليمية جديدة، وخائفة من أن أي تدخل مباشر ضد “حزب الله” قد يُشعل فتيل التوترات السياسية والطائفية في سوريا. ومع ذلك، تبدو الفكرة جذابة لدمشق؛ فقد سارع المعلقون السوريون إلى تفسير تصريحات ترامب الأخيرة كدليل على أن واشنطن “تريد دورًا سوريًا أكبر في لبنان”. وبالفعل، لدى الحكام الجدد في سوريا دوافع لكبح جماح “حزب الله”: فقد دعم الحزب نظام الأسد السابق، واعتمد على الأراضي السورية لنقل الأسلحة، ووفر الحماية لمسؤولين من عهد الأسد في لبنان. وفي هذا السياق، أعرب مسؤولون سوريون عن استيائهم من عدم بذل لبنان المزيد من الجهود لوقف أنشطة الحزب. علاوة على ذلك، فإن اتخاذ موقف أكثر صرامة ضد “حزب الله” قد يساعد الحكومة السورية الجديدة في حشد الدعم لتخفيف العقوبات الأميركية المفروضة عليها، وإظهار لواشنطن أنها قطعت صلتها بشبكة إيران الإقليمية”.
وتابعت المجلة: “إذن، ما المشكلة في اقتراح ترامب؟ مهما كانت المغريات، فإن التدخل السوري هو تحديداً ما قد ينقذ “حزب الله” في لحظة ضعف. فإذا عبرت القوات السورية الحدود، سيُمكّن ذلك الحزب من إعادة صياغة ترسانته لا كتحدٍّ للدولة اللبنانية، بل كدرعٍ واقٍ من التدخل الأجنبي، ما سيُعيد فتح ذكريات مؤلمة من الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، حين غزت القوات السورية لبنان وبقيت فيه قرابة ثلاثة عقود، وهذا بدوره سيثير قلق المجتمعات اللبنانية التي تُعارض “حزب الله”، وفوق كل ذلك، سيضع القوات المسلحة السورية في بيئة متفجرة، مما قد يُضعفها في وقت هي أحوج ما تكون إليه للحفاظ على وحدة الأراضي السورية في الداخل”.
وأضافت المجلة: “تُعدّ دمشق شريكًا مفيدًا في مواجهة “حزب الله”، ولكن فقط على حدودها. فبإمكان سوريا المساعدة في منع إعادة بناء الحزب من خلال إغلاق طرق التهريب ومصادرة الأسلحة. في الواقع، اعترضت القوات السورية بالفعل مئات الصواريخ والأسلحة المتجهة إلى “حزب الله”، وأحبطت خطة مزعومة لاستهداف مرتفعات الجولان من الأراضي السورية، ولكن بمجرد دخول القوات السورية إلى لبنان، يصبح الأمر أقل ارتباطًا بترسانة “حزب الله” وأكثر ارتباطًا برواية مقاومته ومعاناة الاحتلال السوري للبنان الذي دام 29 عامًا. فمنذ عام 1976 وحتى عام 2005، كانت سوريا هي المتحكم الرئيسي في السياسة اللبنانية. فقد دخلت دمشق الحرب الأهلية تحت شعار استعادة النظام، لكن وجودها تحول إلى عهد من الوصاية؛ فقد تم اختيار الرؤساء تحت ضغط سوري، وسُجن معارضو النفوذ السوري أو نُفوا أو حتى قُتلوا، بمن فيهم رئيس الوزراء رفيق الحريري. وبالنسبة للعديد من اللبنانيين العاديين، فإن عودة سوريا ستستحضر ذكريات مؤلمة عن انتهاكات القوات للمدنيين عند نقاط التفتيش وتعذيب ضباط المخابرات العسكرية للسجناء اللبنانيين”.
وبحسب المجلة: “إن توسيع نطاق العملية السورية عبر الحدود سيمنح “حزب الله” المبرر الذي استخدمه لعقود للحفاظ على ترسانته؛ فلطالما ادعى الأمين العام السابق حسن نصر الله أنه يستخدم “أسلحة المقاومة” التابعة للحزب “لحماية لبنان وجميع اللبنانيين”. وفي الوقت الذي يتعرض فيه “حزب الله” لضغوط لتبرير بقاء أسلحته خارج سيطرة الدولة، فإن التوغل السوري سيوفر له ذريعة للادعاء بأن لبنان مهدد من الخارج. بعد سقوط بشار الأسد، وصف نعيم قاسم، خليفة نصر الله، السلطات الجديدة في دمشق بأنها “جماعات تكفيرية” تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل، محذراً من أن سوريا تُدفع إلى وضع يخدم مصالح العدو الإسرائيلي. ومنذ ذلك الحين، اعتمد “حزب الله” وقاعدته الشعبية مراراً وتكراراً على هذا التصور، مصورين الحكومة السورية الجديدة كأداة محتملة لمشروع تخويف إسرائيلي أميركي”.
وتابعت المجلة: “قدّمت منظومة “حزب الله” الإعلامية احتمال التوغل السوري كدليل إضافي على الحصار المفروض على لبنان: إسرائيل تضغط من الجنوب، وقوات الشرع قادمة من سهل البقاع، والشيعة اللبنانيون محاصرون بينهما. وبحسب أحد المؤرخين اللبنانيين، يسعى “حزب الله” إلى “بثّ الرعب” في نفوس الشعب بـ”تهديد جهادي تمثله قوات الشرع”. قد يتحدث الشرع الآن بصفته رئيسًا للدولة، لكن الكثير من اللبنانيين ما زالوا ينظرون إليه على أنه أبو محمد الجولاني، الزعيم السابق لفرع تنظيم القاعدة في سوريا. ففي بلدٍ تتجذر فيه الذاكرة الطائفية، يُعدّ هذا التمييز بالغ الأهمية؛ فالانتهاكات الأخيرة التي ارتكبتها قوات النظام السوري والجماعات المتحالفة معها في المناطق العلوية والدرزية ستزيد من صعوبة تبرير أي تدخل سوري باعتباره مهمة لتحقيق الاستقرار”.
وأضافت المجلة: “يعارض العديد من المسيحيين والدروز اللبنانيين سلاح “حزب الله”، لكن من غير المرجح أن يرحبوا بتقدم عسكري سوري كوسيلة لنزع هذا السلاح. فبالنسبة للمسيحيين، يستحضر التدخل السوري سنوات من القمع والاغتيالات. أما بالنسبة للدروز، فإن المجازر والانتهاكات في السويداء ستلقي بظلالها على أي نقاش حول عبور القوات السورية إلى لبنان. حتى بين السنة، سيكون رد الفعل معقداً، ففي شمال لبنان وأجزاء من البقاع، أصبح الشرع رمزاً لهزيمة الأسد وتراجع هيمنة “حزب الله” السابقة في سوريا، لكن التعاطف مع الرئيس السوري الحالي لا يعني بالضرورة تأييد عودة عسكرية سورية؛ وتشير التقارير الواردة من المناطق السنية على الحدود اللبنانية السورية إلى أن العديد من السنة الذين يستاؤون من “حزب الله” ما زالوا يخشون أن يؤدي التدخل السوري إلى إشعال “مواجهة طائفية لا يمكن احتواؤها”.”
وبحسب المجلة: “لا ينبغي للولايات المتحدة أن تمنح “حزب الله” فرصة للحصول على الدعم الذي يحتاجه، فيجب أن يكون هدف واشنطن منع الحزب من إعادة التسلح، ويمكن لسوريا أن تلعب دوراً أكثر فائدة وأقل ضرراً في هذا المسعى. فبإمكان واشنطن دعم الجهود السورية المستمرة لتفكيك شبكات تهريب “حزب الله” بطريقتين. أولاً، عليها تعزيز آلية الأمن السورية الإسرائيلية الناشئة، المصممة لإدارة التوترات ومنع التصعيد؛ ومن شأن هذه الآلية أن تتيح تبادل المعلومات الاستخباراتية حول عمليات نقل الأسلحة ومسارات التهريب المرتبطة بحزب الله، مما يمنح دمشق الأدوات اللازمة للتحرك ضد الحزب انطلاقاً من الأراضي السورية. وثانياً، ينبغي للولايات المتحدة العمل مع شركاء إقليميين كالأردن لمساعدة دمشق على تطوير القدرات التقنية اللازمة للسيطرة على الحدود”.
وختمت المجلة: “يبدو أن سوريا جادة في مواجهة شبكة إيران الإقليمية، وبإمكانها بذل المزيد من الجهود لمحاربة “حزب الله” على الأراضي السورية، لكن ينبغي على واشنطن أن تدرك بوضوح أن نقل هذه المعركة إلى ما وراء الحدود سيضر في نهاية المطاف بمصالح الولايات المتحدة، فضلاً عن الشعبين السوري واللبناني”.











اترك ردك