احتدام الميدان: معارك ضارية على محاور الجنوب
على الأرض، تلاشت مؤشرات التهدئة النسبية مع انفجار الأوضاع العسكرية مجدداً في جنوب لبنان. ففي عمق القطاع الشرقي، تواصلت الاشتباكات العنيفة على محور كفرتبنيت وتلة “علي الطاهر” الاستراتيجية، حيث يسعى “حزب الله” التصدي لمحاولات التقدم الإسرائيلية.
وأعلنت مصادر ميدانية عن تدمير آلية عسكرية إسرائيلية إثر استهدافها بصواريخ موجهة، بالإضافة إلى وقوع إصابات محققة في صفوف جيش الاسرائيلي جراء تفجير عبوة ناسفة واستهداف مدرعاته وجنوده بالصواريخ.
وقد رُصدت مروحيات عسكرية إسرائيلية تحلّق فوق بلدة “يحمر الشقيف” لإجلاء الجنود المصابين، في وقت وسّع فيه الطيران الحربي الإسرائيلي غاراته الجوية مستهدفاً محيط مدينة النبطية وأطرافها، فضلاً عن ضربات مركزة طالت مواقع في عمق المدينة.
ويسعى الاحتلال من خلال هذا التصعيد إلى فرض ما يسمى “المنطقة الأمنية” بعمق ١٠ كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية كأمر واقع.
واشنطن وطهران: الفيتو الإيراني يجمّد محادثات سويسرا
هذا التطور الميداني ألقى بظلاله الكثيفة على الحراك الدبلوماسي، فأرجأ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس سفره إلى سويسرا واعلن البيت الأبيض” إن سبب تعديل الخطط يعود إلى “مسائل لوجستية”.كما ان الوفد الإيراني علّق توجهه إلى “بورغنشتوك” في اللحظات الأخيرة.
وجاء هذا الموقف تفعيلاً للتحذيرات التي أبلغتها طهران للجانب الأميركي والوسطاء، ومفادها أن “الملف اللبناني” يمثل الركيزة الأساسية لاستمرار المفاوضات أو توقفها.
وترى طهران أن استمرار العمليات الإسرائيلية ومحاولة قضم عشرة كيلومترات داخل الحدود اللبنانية يشكلان انتهاكاً صارخاً وصريحاً للبند الأول من مذكرة التفاهم واتفاق الإطار المقرّ بين الطرفين؛ مما جعل الموقف الإيراني حاسماً: لا بدء للمفاوضات في سويسرا دون وقفٍ حقيقي وشامل لإطلاق النار في لبنان.
الموقف السياسي وتآكل الرهانات الإسرائيلية
سياسياً، وبالتوازي مع هذه التطورات، تجدّدت التأكيدات الرسمية اللبنانية على التزام بيروت بوقف إطلاق النار، شريطة التزام إسرائيل المتبادل به؛ إلا أن الوقائع الميدانية أثبتت أن آلة الحرب الإسرائيلية ما زالت تعطل فرص الصمود الدبلوماسي.
وفي الداخل الإسرائيلي، يتصاعد الجدل الحاد والاضطراب السياسي داخل حكومة بنيامين نتنياهو. إذ تواجه الحكومة موجة انتقادات لاذعة من المعارضة ومن قادة عسكريين سابقين، يرون أن تل أبيب فشلت في ترجمة عملياتها العسكرية إلى مكاسب سياسية ملموسة، وأن التفاهمات الأميركية – الإيرانية حدّت من هامش المناورة الإسرائيلي. وتترافق هذه الأزمة مع تحذيرات مستمرة من استنزاف اقتصادي وعسكري طويل الأمد، وتساؤلات متزايدة حول جدوى الاستمرار في مسار عسكري لا يفضي إلى حلول استراتيجية، بل يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع أولويات واشنطن الإقليمية.
صراع الإرادات ورسم اليوم التالي
أثبتت التطورات الأخيرة أن المعركة لم تعد مجرد اشتباكات حدودية، بل تحولت إلى صراع إرادات دولي وإقليمي حول شروط التسوية الشاملة.
وبين إصرار إسرائيل على تحسين شروطها التفاوضية بالنار، وثبات الموقف الإيراني الرافض للتفاوض تحت ضغط التصعيد، يظل جنوب لبنان المحور الأساسي الذي سيحدد شكل “اليوم التالي” في الشرق الأوسط، ومن سيمتلك الكلمة الفصل في صياغة موازين القوى الجديدة.











اترك ردك