حين يغطّي الغبار ذاكرة المعرفة…

ثمة أشياء في بيوتنا لا نقوى على التخلّي عنها، لا لأننا ما زلنا نستخدمها، بل لأنها تختزن في صفحاتها وملامحها شيئاً من أعمارنا، ومن ذاكرتنا، ومن زمنٍ كان للمعرفة فيه طعم آخر، وللبحث متعة لا تشبه أي متعة.

أنظر أحياناً إلى رفوف مكتبتي، حيث تنتظم مجموعات من الموسوعات التي اقتنيتها، كما اقتنى غيري، في زمنٍ كانت فيه هذه المجلدات أشبه بكنوز معرفية لا غنى عنها. كانت رفيقة الصحافي في أبحاثه، وملاذ الطالب في دراسته، ونافذة القارئ الفضولي الذي لا يكتفي بما يعرف، بل يريد أن يعرف أكثر.

أخبار | الجزيرة نت” style=”width: 100%; height: 100%;” />

كانت الموسوعة يومها أكثر من كتاب. كانت عالماً قائماً بذاته، يأخذك من تاريخ حضارة إلى سيرة عالم، ومن اكتشاف علمي إلى سرّ من أسرار الطبيعة، ومن جغرافية بلد بعيد إلى حكاية إنسان غيّر وجه التاريخ. وما إن تفتح أحد مجلداتها حتى تجد نفسك في رحلة لا تعرف أين تنتهي، لأن كل معلومة كانت تفتح باباً إلى معلومة أخرى، وكل إجابة كانت توقظ في داخلك سؤالاً جديداً.

خزانة الجاحظ" .. رحلة مكتبة <a class=الأردن التاريخية 8 قرون بين القدس وعمّان | ثقافة | الجزيرة نت” style=”width: 100%; height: 100%;” />

كم من مرة قصدنا المكتبات بحثاً عن معلومة، فخرجنا منها بمعارف لم نكن نبحث عنها أصلاً. وكم من ساعة أمضيناها في تقليب الصفحات، ومقارنة المراجع، وتدوين الملاحظات، حتى نشعر بأننا لم نحصل على المعلومة فحسب، بل تعبنا من أجلها، وعشنا معها، وصارت جزءاً من تكويننا الثقافي!

ثم تغيّر العالم.

جاءت التكنولوجيا، وفتحت الإنترنت أبواب المعرفة على اتساعها. صارت المعلومات التي كانت تتطلب ساعات من البحث متاحة في ثوانٍ، وأصبح الهاتف الصغير الذي نحمله في جيوبنا قادراً على أن يضع بين أيدينا ما يفوق، من حيث سرعة الوصول، قدرة أكبر مكتبة منزلية.

Why Ebooks Are Better Than Real Books

لا يمكن إنكار ما حققته هذه الثورة من فوائد عظيمة. لقد قرّبت البعيد، وسهّلت البحث، وأتاحت المعرفة لملايين البشر الذين لم تكن لديهم فرصة الوصول إلى المراجع المتخصصة. وليس من الإنصاف أن نرثي زمناً مضى وكأن كل ما فيه كان أفضل، أو أن ننظر إلى التكنولوجيا بوصفها خصماً للثقافة.

لكن ثمة سؤالاً يستحق التأمل: هل تغيّرت أدوات المعرفة وحدها، أم تغيّرت علاقتنا بالمعرفة أيضاً؟

حين تدخل إلى مكتبة قديمة، تشعر وكأن الزمن قد توقّف بين الرفوف، وأن الأرواح التي سكنت هذه الكتب ما زالت تهمس في صمتها. رائحة الورق العتيق ليست مجرد عبير، بل ذاكرة كاملة،

ها هي الموسوعات التي كنا نعود إليها بشغف، وقد استقرّت اليوم على رفوف المكتبات، يعلوها الغبار، وتكاد تتحوّل إلى قطع من الأثاث، أو إلى زينة أنيقة تملأ فراغاً على جدار. تمرّ أمامها أعيننا، وربما لا نلتفت إليها إلا حين نقرّر تنظيف المكتبة، أو حين تقع أيدينا مصادفة على مجلد قديم، فتوقظ صفحاته فينا حنيناً إلى أيام بعيدة.

نمسح الغبار عن غلافه، ونفتحه بحذر، كأننا نفتح نافذة على مرحلة من حياتنا. تستقبلنا رائحة الورق، وتعود إلينا صور جلسات طويلة قضيناها في القراءة والبحث، وربما نتذكّر معلومة دوّنّاها، أو مقالاً أعددناه، أو فكرة بدأت من سطر في كتاب وانتهت إلى نصّ حمل شيئاً من روحنا.

عندها ندرك أن ما تراكم على تلك المجلدات ليس الغبار وحده؛ لقد تراكم عليه أيضاً غبار الزمن، بكل ما حمله من تحوّلات، وبكل ما انتزع من عاداتنا القديمة، وبكل ما أضاف إلى حياتنا من وسائل جديدة.
ولعلّ أكثر ما نفتقده ليس الورق في حد ذاته، بل الطقوس التي كانت تحيط بالمعرفة. تلك اللحظة التي نختار فيها كتاباً من الرف، ونحمله إلى مقعدنا، ونقلّب صفحاته ببطء، ونضع إشارة عند معلومة مهمة، ثم نعود إليها بعد أيام. كان للبحث إيقاعه الخاص، وللانتظار متعته، وللوصول إلى المعلومة شعور بالإنجاز لا تمنحه دائماً سرعة الشاشة.

أما اليوم، فنحن نعيش في عالم تتدفق فيه المعلومات بلا انقطاع، حتى بات التحدي أحياناً لا يكمن في العثور عليها، بل في التمييز بين الصحيح والمضلّل، وبين المعرفة العميقة والمعلومة العابرة. نقرأ كثيراً، ونطالع أكثر، لكننا قد ننتقل من موضوع إلى آخر قبل أن نمنح أياً منها الوقت الكافي كي يستقر في أذهاننا.

ومع ذلك، ليس علينا أن نختار بين الكتاب والشاشة، ولا بين الماضي والحاضر. فالمعرفة لا تسكن الورق وحده، كما أن التكنولوجيا لا تنتقص من قيمة الكتاب لمجرد أنها جعلت الوصول إلى المعلومة أسرع. المسألة، في جوهرها، تتعلق بنا نحن: كيف نقرأ، وكيف نفكّر، وكيف نحوّل ما نعرفه إلى وعي وثقافة وحكمة؟

ربما آن الأوان لأن نعيد إلى مكتباتنا شيئاً من الحياة، لا أن نكتفي بتلميع أغلفة الموسوعات لتبدو جميلة أمام الزائرين. فلنفتح تلك المجلدات من جديد، ولو من باب الفضول، ولنتصفّحها مع أبنائنا وأحفادنا، ونخبرهم كيف كنّا نبحث عن معلومة قبل أن يصبح العالم كلّه متاحاً على شاشة. لعلّهم يكتشفون أن في بطء القراءة متعة، وفي تقليب الصفحات ألفة، وفي الكتاب المطبوع حضوراً لا تستطيع الصورة الرقمية أن تحلّ مكانه تماماً.

فالموسوعات التي غطّاها الغبار لم تصبح بلا قيمة، ولم تتحوّل صفحاتها إلى أوراق ميتة. إنها لا تزال تحمل خلاصة جهود باحثين ومفكّرين ومؤرّخين، وتشهد على مرحلة كان الوصول فيها إلى المعرفة يحتاج إلى صبر ومثابرة. وقد لا تكون جميع معلوماتها مواكبة لما استجدّ من اكتشافات، لكن قيمتها التاريخية والثقافية، وما تختزنه من ذاكرة عصرها، لا يزولان لمجرد ظهور وسيلة أحدث.

وأنا، كلما نظرت إلى تلك المجلدات الصامتة، شعرت بأنني لا أنظر إلى كتب مهجورة، بل إلى رفاق قدامى أدّوا مهمتهم بإخلاص، ثم تقاعدوا من دون ضجيج. لا يطالبوننا بأن نعود إلى زمنهم، ولا يعترضون على ما جاء بعدهم؛ كأنهم يكتفون بأن يظلّ لهم مكان في الذاكرة، وأن نتذكّر، ونحن نمسك بهواتفنا ونستخرج منها ما نشاء، أن وراء كل معرفة رحلة، ووراء كل رحلة فضولاً إنسانياً لا ينبغي أن ينطفئ.
قد تتغيّر الوسائل، وتتبدّل العادات، وتتقدّم التكنولوجيا إلى ما لم يخطر لنا على بال. لكن المعرفة الحقيقية لا تُقاس بعدد الصفحات التي نطالعها، ولا بسرعة الأجوبة التي نحصل عليها، بل بقدرتنا على الفهم والتأمل، وعلى أن نخرج من القراءة بعقل أكثر انفتاحاً، وروح أكثر غنى.

أما تلك الموسوعات التي يعلوها الغبار على رفوف مكتباتنا، فستظلّ تذكّرنا بأن بعض الأشياء لا تفقد قيمتها حين نتوقّف عن استعمالها؛ إنها فقط تنتظر من يمدّ يده إليها، وينفض عنها غبار النسيان.
فليس مؤلماً أن تتقاعد الكتب أمام سطوة التكنولوجيا، بقدر ما يكون مؤلماً أن تتقاعد فينا الرغبة في القراءة، وأن نكتفي بمعرفة عابرة لا تترك أثراً في عقولنا أو وجداننا.
فالكتب قد تصمت على الرفوف، لكن المعرفة لا ينبغي لها أن تصمت فينا.

وما نقوله عن الكتب والموسوعات ينطبق على الصحف الورقية، التي باتت في حال نزاع مع نزعة حب البقاء. فلرائحة حبر صحف الصباح، مع فنجان القهوة، جاذبية لا يعرف مدى سحرها سوى الذين أدمنوا على قراءة الصحيفة من أول صفحة إلى آخر صفحة، على أن يكون مسك ختامها حل الكلمات المتقاطعة.

هو زمن الحنين بما فيه من ذكريات، الجميل منها وغير الجميل.
وانا اتذكر تلك الأيام تراني أكتب ما يراودني من أفكار بواسطة هاتفي المسمّى “ذكيا”. يا لسخرية الفوارق الزمنية، الذي لم يعد فيه للقلم قيمة.

No photo description available.