خطأ واحد في الجنوب قد يكون كافياً لإشعال الحرب

قد لا تبدأ الحرب المقبلة في الجنوب بقرار سياسي كبير، ولا بصاروخ بعيد المدى، ولا حتى بإعلان من حزب الله أو إسرائيل. قد تبدأ بانفجار لا تُعرف أسبابه سريعاً، بدرون يقترب أكثر مما ينبغي، بجندي يطلق النار ظناً منه أنه أمام تهديد، أو بمعلومة استخبارية خاطئة تتحول خلال دقائق إلى غارة، ثم إلى رد، ثم إلى حرب لا يكون أحد قد اتخذ قرارها فعلياً.

 
هذه ربما أخطر زاوية في المشهد الجنوبي اليوم، فالهدوء القائم ليس هدوءاً ناتجاً عن تسوية مكتملة، بل عن توازن شديد الهشاشة بين قوات إسرائيلية موجودة داخل الأراضي اللبنانية، وحزب الله الذي لا يزال يرفض البحث في سلاحه قبل الانسحاب، وجيش لبناني ينتشر في مناطق تجريبية، فيما لا تزال المفاوضات عاجزة عن حسم السؤال الأساسي: مَن ينفذ خطوته أولاً؟ إسرائيل تريد ربط انسحابها بنزع سلاح الحزب، بينما يتمسك الحزب بأن الانسحاب يجب أن يسبق أي بحث في السلاح.
 
وهذا النوع من المراحل هو الأكثر قابلية للانفجار، لأن المشكلة لم تعد فقط في وجود قرار بالحرب من عدمه، بل في كثافة الاحتكاك الميداني بين أطراف لا تثق ببعضها، وتعمل في جغرافيا ضيقة جداً، وتقرأ كل حركة عسكرية انطلاقاً من أسوأ الاحتمالات.
 
وقد أعطت أحداث الخامس من آب نموذجاً واضحاً عن ذلك، قُتل جنديان إسرائيليان بانفجار داخل مبنى في جنوب لبنان أثناء عملية تمشيط. في الساعات الأولى، وصفت إسرائيل الحادث بأنه خرق واضح لوقف إطلاق النار ونفذت سلسلة ضربات في الجنوب، قبل أن تظهر لاحقاً معطيات تفيد بأن توقيت زرع العبوة لم يكن معروفاً، وما إذا كانت قد وُضعت قبل وقف النار أو بعده. وفي اليوم التالي، تجنب وزير الدفاع الإسرائيلي تحميل حزب الله المسؤولية مباشرة.

 
هذه الحادثة تختصر المشكلة كلها، فبين الانفجار الأول والغارات التي تلته، لم يكن التحقيق قد اكتمل بعد، لكن الميدان تحرك أسرع من الحقيقة.
 
ولو أدى الرد الإسرائيلي يومها إلى سقوط قيادي بارز في حزب الله، أو إلى عدد كبير من المدنيين، أو لو اعتبر الحزب أن الضربة تجاوزت الخطوط التي يمكن السكوت عنها، كان يمكن للمشهد أن يأخذ اتجاهاً مختلفاً تماماً.
 
وتكمن خطورة المرحلة في أن يكون قرار الحرب قد يصبح نتيجة سلسلة من القرارات التكتيكية الصغيرة، لا قراراً استراتيجياً واحداً.
 
فالجنوب اليوم ليس جبهة مغلقة، ولا منطقة عازلة مستقرة، ولا مساحة عاد إليها الجيش بالكامل وأنهى فيها احتمال الاحتكاك، إسرائيل لا تزال تتحدث عن استعداد لوجود طويل داخل ما تصفه بـ”المنطقة الأمنية”، فيما قالت واشنطن إن الوجود الإسرائيلي الدائم يتعارض مع الالتزامات التي يتضمنها الإطار المتفق عليه.
وفي المقابل، لم تُحل حتى الآن عقدة نزع سلاح حزب الله ولا آلية التحقق منه بشكل نهائي.
وفوق ذلك، انتهت الجولة الأخيرة من مفاوضات روما من دون تحقيق تقدم جوهري في مطلبَي وقف النار الفعلي والانسحاب الإسرائيلي، فيما بقي الخلاف قائماً حول المناطق التجريبية وكيفية توسيعها وآلية الإشراف عليها.
 
بمعنى آخر، السياسة لم تنتج بعد قواعد واضحة بما يكفي لضبط الميدان، وهذه ثغرة خطرة جداً.
 
في الحروب المستقرة نسبياً، يعرف كل طرف الخطوط الحمراء للطرف الآخر. أما في المرحلة الحالية، فالخطوط نفسها تتحرك. عملية إسرائيلية تعتبرها تل أبيب “أمنية” قد يراها حزب الله محاولة لتوسيع الاحتلال. تحرك ميداني للحزب قد يُقدَّم على أنه دفاعي، بينما تراه إسرائيل إعادة بناء لقدرة عسكرية. حتى وجود عنصر مسلح في بقعة محددة قد يتحول إلى خلاف حول ما إذا كان يشكل خرقاً يستوجب الرد أم مجرد حادث موضعي.
 
والأخطر أن أي رد لا يبقى بالضرورة في المكان الذي بدأ فيه الحادث، غارة في الجنوب قد تستجلب رداً على قوة إسرائيلية، الرد قد يوقع قتلى، سقوط القتلى قد يفرض رداً أكبر لأسباب عسكرية وسياسية داخل إسرائيل. وإذا تجاوزت الضربة التالية الجنوب إلى البقاع أو الضاحية، يصبح حزب الله أمام معادلة مختلفة تماماً.
 
وهكذا تنتقل المواجهة من حادث تكتيكي إلى حرب خلال ساعات، لذلك فإن السؤال الحقيقي يكون هل ما زال الطرفان قادرين على منعها إذا وقع الخطأ؟
 
حتى الآن، توجد إشارات إلى أن الطرفين يدركان حجم الخطر، حادثة مقتل الجنديين أظهرت مثلاً أن إسرائيل، رغم ردها العسكري، عادت وخففت لاحقاً من لهجة تحميل المسؤولية المباشرة. لكن الاعتماد على ضبط النفس بعد كل حادث ليس ضمانة، خصوصاً مع استمرار الاحتلال، وتعثر المفاوضات، وكثافة العمليات الميدانية.
 
اذا، الجنوب يعيش اليوم في المساحة الأخطر بين الحرب والسلام: لا اتفاق أنهى أسباب المواجهة، ولا أحد يملك ترف مواجهة مفتوحة جديدة، وفي مثل هذه المساحة، لا تحتاج الحرب دائماً إلى من يقرر إشعالها، أحياناً يكفي أن يخطئ أحدهم في قراءة ما حدث.