طرح قوة من الدول الخمس بديلة لـ”اليونيفيل” بين الصلاحيات والضمانات

مع اقتراب انتهاء ولاية القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان “اليونيفيل”، يواجه لبنان استحقاقًا يتجاوز مسألة تجديد مهمة القوة أو إنهائها، ليطال مستقبل الأمن في الجنوب، ومصير الأراضي التي لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، وقدرة الدولة على بسط سيادتها في ظل تصاعد المخاطر الإقليمية. فعدم التجديد لـ”اليونيفيل”، من دون توفير بديل واضح وفاعل، قد يفتح الباب أمام مرحلة من الغموض الأمني والسياسي، لا تقتصر تداعياتها على الجنوب، بل قد تمتد إلى لبنان بأكمله، وربما إلى مناطق أخرى في المنطقة.

 

في هذا السياق، تبرز أهمية الحضور الدولي في لبنان، ليس بوصفه مجرد انتشار عسكري لمراقبة وقف الأعمال العدائية وتوثيق الخروقات، بل باعتباره إطارًا سياسيًا وأمنيًا يعكس مشاركة دول فاعلة وكبرى في حماية الاستقرار ، ومن هنا، فإن أي نقاش حول مستقبل “اليونيفيل” لا يمكن أن ينفصل عن سؤال أساسي وهو ما الضمانات التي ستمنع تحوّل انسحابها إلى فرصة لتوسيع الاعتداءات الإسرائيلية، في ظل استمرار الاحتلال وغياب آلية دولية قادرة على فرض تنفيذ القرارات ذات الصلة؟

 

هذا السؤال يشكّل مدخلًا لقراءة الاقتراح الذي طرحه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، والقائم على استصدار قرار عن مجلس الأمن لتشكيل قوة من الدول الخمس الدائمة العضوية، تُنشر في جنوب لبنان بصلاحيات فعلية تضمن الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، وتعزيز قدرات الجيش لبسط سلطته على كامل الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بيده، بما يضمن الاستقرار على جانبي الحدود،وبهذا المعنى يسعى الاقتراح إلى الجمع بين مطلبين أساسيين وهما إنهاء الاحتلال من جهة، وتعزيز سيادة الدولة من جهة أخرى، من دون تحويل أحدهما إلى شرط مسبق لتعطيل الآخر.

 

وعليه، يستعد” التيار الوطني الحر” لإطلاق اتصالات مع المسؤولين في لبنان والدول الفاعلة والمؤثرة لبحث المقترح، الذي يهدف إلى منع تكريس الاحتلال وإبقاء لبنان تحت مظلة الشرعية الدولية، من اتفاق الهدنة إلى القرار 1701، في ظل اقتراب موعد انتهاء مهمة اليونيفيل نهاية العام المقبل، وبالتالي تفادياً لحدوث فراغ دولي في الجنوب.

 

وبحسب مقاربة “التيار الوطني الحر”، لا يكفي أن تكون هناك قوة دولية ترصد الخروقات وتوثّقها، فيما تبقى القرارات الدولية عاجزة عن تحقيق أهدافها على الأرض. وتشير أوساطه إلى أن اقتراح القوة الدولية الجديدة يهدف إلى تجنيب البلاد مزيدًا من الحروب وتصعيد الأزمات، في مرحلة تتقاطع فيها مخاطر استمرار الاحتلال الإسرائيلي مع تعقيدات ملف سلاح حزب الله، وما يثيره المساران من تحديات أمام الدولة، غير أن أهمية هذا الطرح لا تتوقف عند تشكيل قوة جديدة أو توسيع المشاركة الدولية، بل ترتبط، بحسب الاوساط نفسها، بطبيعة التفويض الذي ستُمنح إياه، والآليات التي ستتيح تحويل القرارات إلى التزامات قابلة للتنفيذ، فمشاركة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحمل دلالات سياسية مهمة، لكنها لا تعني تلقائيا التزام هذه الدول بإرسال قوات عسكرية، ولا تمنح القوة المقترحة، بمجرد تشكيلها، صلاحية فرض الانسحاب الإسرائيلي بالقوة. ولذلك، فإن نجاح أي صيغة جديدة يبقى مرتبطًا بقرار دولي واضح، وتوافق سياسي حول مهمتها، وتحديد دقيق لصلاحياتها وحدود تدخلها.

 

من هنا، تبرز الحاجة إلى أن يتضمن أي تفويض جديد جدولًا زمنيًا واضحًا للانسحاب الإسرائيلي، وآلية مستقلة للتحقق من التنفيذ ومساءلة الأطراف عند الإخلال بالتزاماتها، فضلًا عن خطة متزامنة لانتشار الجيش وتسلمه المواقع والأراضي التي ينسحب منها الاحتلال، لأن المطلوب ليس استبدال قوة دولية بأخرى ، بل معالجة الثغرات التي جعلت القرارات الدولية، رغم تعددها، غير كافية لضمان إنهاء الاحتلال ومنع تكرار المواجهات.

 

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن غياب تصور لبناني متكامل للأمن الوطني يضعف قدرة الدولة على التأثير في الخيارات المطروحة، وبحسب أوساط “الوطني الحر”، كان ينبغي للسلطة أن تبادر إلى إعداد استراتيجية للأمن الوطني، بدل الاكتفاء بانتظار المبادرات الخارجية والتعامل مع التطورات بعد وقوعها،وتعتبر هذه الأوساط أن هذا الفراغ ساهم في وصول لبنان إلى اتفاق الإطار، الذي يرى أنه تضمّن تنازلات لبنانية من دون الحصول في المقابل على ضمانات أو مكاسب واضحة.

 

وبصرف النظر عن تقييم هذا الموقف، فإن جوهر الإشكالية يبقى في قدرة الدولة على صياغة رؤيتها الخاصة، وتحديد أولوياتها الأمنية والسياسية، والتفاوض على أساسها مع المجتمع الدولي،ولذلك لا ينبغي أن يتحول النقاش حول مستقبل “اليونيفيل” إلى مفاضلة بين استمرار القوة الحالية أو انسحابها، بل إلى فرصة لإعادة تحديد وظيفة الحضور الدولي في لبنان، ومدى قدرته على توفير ضمانات فعلية لتنفيذ القرارات الدولية.