فالمقال الذي ترجمه “لبنان24“، يرى أن ما يجري في لبنان لم يعد مجرد خرق عابر لاتفاق هش، بل تحوّل إلى مثال خطير على كيفية تطبيع العنف الاستثنائي وتحويله إلى روتين مقبول. فحين تستمر العمليات العسكرية على نطاق واسع، بينما يواصل الدبلوماسيون الحديث عن التهدئة، يصبح الفارق بين الحرب والسلم ضبابياً إلى حد خطير.
ويشير المقال إلى أن المأساة لا تُقاس فقط بعدد الضربات، بل بحجم الكلفة البشرية المتراكمة. فمنذ 2 آذار، قُتل 3980 شخصاً وأصيب أكثر من 12 ألفاً، بينهم 247 طفلاً و363 امرأة و133 عاملاً في القطاع الصحي، فيما نزح أكثر من مليون مدني، أي أكثر من خُمس سكان لبنان.
لكن الأخطر، وفق المقال، أن كل ذلك يحدث بينما لا تزال عبارة “وقف إطلاق النار” حاضرة في الخطاب السياسي. وهذه المفارقة تطرح سؤالاً أساسياً: إذا لم يعد وقف النار يعني وقف الأعمال العسكرية، فما الذي يبقى من القواعد التي يُفترض أن تنظّم النزاعات؟
ويربط المقال هذا المشهد بما قيل عن تفاهمات بين واشنطن وطهران شملت خفض التصعيد على جبهات عدة، بينها لبنان. غير أن سرعة عودة العنف كشفت، بحسب المقال، هشاشة هذه التفاهمات عندما لا يشعر الطرف القادر على تغيير الوقائع الميدانية بأنه مقيّد بها.
ويعتبر المقال أن مذكرة التفاهم كانت واضحة من وجهة نظر إيران، إذ طلبت ضمانات بوقف الأعمال العسكرية في لبنان وحصلت عليها من الولايات المتحدة. لكن بعد أيام، شنّت إسرائيل أوسع حملة قصف منذ بداية النزاع، ما أدى إلى ضرب الثقة بالمسار التفاوضي نفسه. ومن هنا، لا تبدو تداعيات ما يحدث محصورة بلبنان فقط. فانسحاب إيران من مسار تفاوضي أو تجميده، كما يرى المقال، لا يمكن قراءته دائماً بوصفه تصعيداً، بل قد يكون تعبيراً عن انهيار الثقة. فالدبلوماسية تحتاج إلى مصداقية، وعندما تتجاوز الوقائع العسكرية التفاهمات السياسية خلال أيام، يصبح السؤال: لماذا الاستثمار في التفاوض إذا كانت القنابل أقوى من التواقيع؟
ويذهب المقال أبعد من ذلك، معتبراً أن الفشل هنا لا يتعلق باتفاق واحد فقط، بل بتآكل الإيمان بالدبلوماسية نفسها. فلبنان، وفق هذه القراءة، يدفع ثمن خلل أوسع في النظام الإقليمي، حيث تتحول أرضه إلى ساحة لتصفية صراعات أكبر منه. في هذا السياق، تشير المنظمات الحقوقية والإنسانية إلى الآثار الواسعة للنزوح وتدمير البنية التحتية المدنية. كما حذرت منظمات مثل “العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش” ووكالات الأمم المتحدة من حجم الكلفة الإنسانية، فيما يقدّر البنك الدولي أن الاقتصاد اللبناني، المنهك أصلاً بفعل الانهيار المالي، يواجه خسائر إضافية بمليارات الدولارات. ورغم ذلك، يبقى النقاش الاستراتيجي عالقاً في لغة “الردع”. فإسرائيل تنظر إلى حزب الله باعتباره تهديداً مدعوماً من إيران، فيما يقدّم حزب الله نفسه بوصفه جزءاً من “محور المقاومة” ومدافعاً عن الأرض والسيادة اللبنانية. وبين الروايتين، يقف بلد مدمّر يدفع مدنيوه ثمن صراع يتجاوز حدودهم.
ويحذر المقال من أن الردع، إذا انفصل عن الضوابط، قد يتحول إلى خطر قائم بذاته. فحين تصبح القوة المفرطة عقيدة دائمة لا إجراءً مؤقتاً، يفقد العنف وظيفته السياسية، ويتحول إلى غاية بحد ذاته.كما يتوقف المقال عند الخطاب السياسي الإسرائيلي، وخصوصاً التصريحات التي استخدمت تعابير قاسية عن التدمير و”فتح أبواب الجحيم”. ويرى أن مثل هذه اللغة قد تخدم التعبئة الداخلية في زمن الحرب، لكنها تحمل نتائج استراتيجية بعيدة المدى، لأنها تتعامل مع مجتمعات كاملة كأعداء، وتضعف أي فرصة مستقبلية للتعايش.
ويستعيد المقال تجارب العراق وأفغانستان ليقول إن التفوق العسكري الساحق لم ينجح دائماً في إنتاج تسويات سياسية مستقرة. فالقوة قد تدمر خصماً أو توقف تهديداً مؤقتاً، لكنها لا تصنع مصالحة، ولا تعالج الشروط السياسية التي أنتجت النزاع.لبنان اليوم، يقف عند تقاطع أزمات عدة: دولة ضعيفة بفعل الانهيار الاقتصادي، حزب الله كقوة مسلحة وسياسية، صراع إيراني – إسرائيلي مفتوح على ساحات متعددة، وقوى خارجية تتحدث عن الاستقرار فيما تتحرك وفق مصالح متعارضة. وفي قلب هذه المعادلة، تبقى واشنطن لاعباً مركزياً. فالولايات المتحدة تقول إنها ملتزمة خفض التصعيد، مع الحفاظ على أمن إسرائيل. لكن الصدقية لا تنفصل عن الاتساق. فإذا طُبقت القواعد بشكل انتقائي، فإن الضرر لا يطاول اتفاقاً واحداً فقط، بل يضرب فكرة النظام الدولي القائم على قواعد مشتركة. وعندما تُعامل بعض الانتهاكات كتهديد وجودي، فيما تُعتبر أخرى قابلة للإدارة، تتعزز صورة المعايير المزدوجة. وهذه الصورة، كما يرى المقال، قد تكون مؤثرة بقدر الواقع نفسه، لأنها تُضعف الثقة وتزيد السخرية من القانون الدولي.
لذلك، لا تبدو مأساة لبنان شأناً لبنانياً فقط. إنها تطرح أسئلة أوسع في عالم يشهد حروباً في غزة وأوكرانيا والسودان: هل يمكن للقانون الدولي أن يصمد إذا كان تطبيقه مرتبطاً بالمصلحة السياسية؟ وهل تستطيع الدبلوماسية أن تنجح إذا كانت الوقائع العسكرية تسبق الالتزامات السياسية وتلغيها؟











اترك ردك