لا عودة إلى “الدوحة 1″…فأي مستقبل ينتظر “الحزب”؟

تشهد المنطقة مرحلة دقيقة يطغى عليها التفاؤل الحذر، في ظل ستين يوماً من المفاوضات المكثفة التي بدأت بين إيران والولايات المتحدة، والهادفة إلى تحويل مذكرة التفاهم القائمة إلى اتفاق طويل الأمد يعيد رسم معادلات الإقليم. وتبدي دول الخليج ارتياحاً واضحاً لمسار هذه المفاوضات، انطلاقاً من قناعتها بأن أي تفاهم أميركي–إيراني مستدام سينعكس إيجاباً على الاستقرار الإقليمي ويحدّ من احتمالات التصعيد.

ولا يقتصر الحراك على المسار الأميركي–الإيراني، إذ يتوازى معه مسار سياسي عربي وسنّي يضم باكستان ومصر وتركيا والسعودية، ويهدف إلى إعادة ترتيب الساحة السنية في العالم العربي بما يواكب التحولات الجارية. ويبدو أن المسارين يسيران بحظوظ مرتفعة، رغم استمرار وجود أطراف متضررة من هذا المناخ التفاوضي، وفي مقدمتها إسرائيل، حيث لا يزال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعارض أي اتفاق استراتيجي بين واشنطن وطهران، انطلاقاً من اعتقاده بأن مثل هذا الاتفاق سيغيّر موازين القوى في المنطقة.

وفي هذا السياق، أعلن وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار أن المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران تتناول ثلاثة ملفات أساسية، هي: البرنامج النووي الإيراني، والأرصدة الإيرانية المجمدة، ولبنان. كما أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في لبنان يوازيان، من حيث الأهمية، وقف الحرب على إيران، مشدداً على أن الأمن الإقليمي يجب أن تتولاه دول المنطقة نفسها، بعيداً عن التدخلات الخارجية.

ورغم الانفتاح الإيراني على الاتفاق، فإن طهران تتعامل بحذر شديد مع هذه المرحلة، إذ تدرك أن أي اتفاق قد يفرض عليها إعادة النظر في مصادر قوتها التقليدية، سواء المرتبطة بالبرنامج النووي، أو بشبكة الحلفاء، أو بالبعد العقائدي والأيديولوجي الذي شكّل أحد مرتكزات سياستها الخارجية. وفي هذا الإطار، تبرز تقديرات تشير إلى احتمال انتقال إيران تدريجياً نحو نموذج أكثر مدنية وإصلاحية، مع تقليص دور المؤسسة العسكرية التقليدية التي تعرضت خلال الفترة الماضية لضربات كبيرة أضعفت بنيتها، إضافة إلى احتمال تراجع نفوذ شخصيات عسكرية بارزة، مثل القائد العام للحرس الثوري الإيراني أحمد وحيدي. كما تُطرح فرضيات عن تطبيق نموذج قريب من التجربة الفنزويلية، ولكن بصورة تدريجية تتلاءم مع خصوصية النظام الإيراني.

هذه التحولات، إذا ما ترسخت، ستنعكس مباشرة على وضع “حزب الله”، الذي يبدو، بحسب مصادر سياسية معارضة، مقبلاً على مرحلة تُعدّ الأصعب منذ تأسيسه. فإقفال خطوط الإمداد وتراجع الدعم الخارجي سيؤديان إلى مزيد من الضغوط عليه، في وقت يجري الحديث عن أن تأجيل الانتخابات النيابية لمدة سنتين يهدف إلى دفع البيئة الحاضنة إلى إعادة تقييم خياراتها السياسية. ورغم أن هذه البيئة تبدي اليوم تشدداً يفوق أحياناً موقف القيادة، وترفض إعادة الانفتاح على القوى التي تعتبر أنها «طعنت الحزب في الظهر»، فإن انتهاء الحرب وانكشاف نتائجها قد يدفعان شريحة واسعة منها إلى تحميل القيادة مسؤولية الوصول إلى طريق مسدود، الأمر الذي قد يفضي إلى تراجع “الحزب” سياسياً، بعد أن يكون قد فقد جانباً كبيراً من قدراته العسكرية.

وفي موازاة ذلك، تنشط الحركة الدبلوماسية في لبنان بصورة لافتة، مع حراك فرنسي وسويسري وقطري ومصري مكثف، إلا أن أي مؤتمر حوار جديد، سواء حمل اسم «الدوحة 2» أو أي تسمية أخرى، لن يكون، بحسب هذه المصادر المعارضة، مقبولاً إذا أعاد إنتاج معادلة اتفاق «الدوحة 1» الذي كرّس موازين قوى لمصلحة “حزب الله”. لذلك، فإن أي تسوية مقبلة يجب أن تنطلق من مشروع واضح لبناء الدولة وتطبيق الدستور، لا من إعادة إنعاش أي فريق سياسي أو عسكري. كما أن انعقاد مؤتمر من هذا النوع يبقى مرتبطاً بموافقة سعودية وأميركية، ما يجعل احتمال الذهاب إلى إطار تفاوضي جديد يحمل طابع «جدة 1» أو «الرياض 1» أكثر ترجيحاً، مع التركيز السعودي على التطبيق الكامل لاتفاق الطائف.

وفي هذا السياق، لا يُستبعد، بحسب هذه المصادر، أن يكون لبنان جزءاً من تفاهم سعودي–إيراني، غير أن الموقف السعودي لا يزال ثابتاً لجهة ضرورة معالجة ملف سلاح “حزب الله”، باعتباره المدخل الأساسي لاستقرار الدولة. أما في ما يخص الخلية المشتركة التي تضم الولايات المتحدة وإيران وقطر ولبنان، والتي تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار ومراقبة تنفيذ التفاهمات التي انبثقت عن مفاوضات إسلام آباد، بحيث تضطلع قطر بدور محوري في التنسيق والإشراف على آليات تنفيذ الهدنة، فإن إشراك إيران فيها، يعود، بحسب المصادر المعارضة، إلى اعتبارها إطاراً يهدف إلى اختبار مدى قدرة طهران على التأثير في قرار “حزب الله”، تمهيداً لتنفيذ أي تفاهمات مستقبلية. وبناءً على ذلك، تبدو الخيارات المطروحة محصورة بين ثلاثة سيناريوهات: إما أن تستعيد إيران ما تبقى من منظومة تسليح الحزب، مع التزام واضح بوقف تزويده بالسلاح والتمويل مستقبلاً، أو أن يبادر “الحزب” إلى تسليم سلاحه إلى الجيش ضمن تسوية سياسية وأمنية، أو أن يتجه إلى التخلص من ترسانته عبر بيعها أو تفكيكها، على غرار ما قامت به” القوات اللبنانية” بعد انتهاء الحرب .

وعليه، فإن وقف إطلاق النار الذي أعقب المفاوضات التي استضافتها سويسرا يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، والتي دخلت أول أمس جولتها الخامسة. وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تمارس ضغوطاً متزايدة على إسرائيل للدفع نحو بدء الانسحاب من الأراضي اللبنانية خلال فترة الستين يوماً، إلا أن استكمال هذا الانسحاب قد يستغرق أشهراً عدة، في ظل تعقيدات الترتيبات الأمنية والميدانية وآليات تنفيذ الاتفاق وضمان تثبيت وقف إطلاق النار.

وفي مرحلة ما بعد الانسحاب، ستكون إعادة إعمار لبنان، بحسب المصادر نفسها، مسؤولية المجتمع الدولي، عبر صندوق خاص يعمل بإشراف الحكومة اللبنانية، بما يضمن الشفافية وحسن إدارة الأموال.

وعليه، يمكن القول، بحسب هذه المصادر، إن المرحلة المقبلة ستشهد ترتيبات أمنية جديدة تستند إلى تفاهمات قريبة من اتفاق الهدنة وتفاهم نيسان، في حين يبقى الحديث عن سلام شامل مع إسرائيل مؤجلاً إلى مرحلة لاحقة، إذ إن لبنان لن يقدم على مثل هذه الخطوة بمعزل عن الموقفين السعودي والسوري، ومن المرجح أن يكون أي مسار سلام مستقبلي منسجماً مع مبادرة السلام العربية التي أقرتها “قمة بيروت“.