وبحسب The National، أمضى الذهب معظم الشهرين الماضيين في حركة أفقية بعد تصحيح حاد من قمم هذا العام، ما أعاد تذكير الأسواق بأن الاتجاهات الطويلة الأمد، مهما كانت قوية، لا تتحرك عادة بخط مستقيم.
السؤال الأساسي اليوم: لماذا لم يعد الذهب يتعافى كما كان كثيرون يتوقعون؟
الإجابة ترتبط بالفارق بين العوامل القصيرة الأمد والعوامل البنيوية. ففي المدى القريب، لا تزال الأسواق تتحرك تحت تأثير أسعار الفائدة الأميركية، وقوة الدولار، ومزاج المستثمرين. وتوقعات إبقاء الاحتياطي الفدرالي الأميركي أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول رفعت العوائد الحقيقية على السندات، ما زاد كلفة الاحتفاظ بالذهب، لأنه أصل لا يدر عائداً.
كما أن قوة الدولار ضغطت على الطلب، فيما أدى تراجع حدة التوترات بعد الاتفاق الأميركي – الإيراني إلى خفض علاوة الملاذ الآمن التي دعمت أسعار الذهب في وقت سابق من العام. وحتى مع عودة النزاع، لم يعد ذلك كافياً لإطلاق موجة شراء جديدة.
بعد صعود استثنائي استمر نحو 18 شهراً، كان طبيعياً أيضاً أن تشهد السوق عمليات جني أرباح وإعادة توازن في المحافظ الاستثمارية.
لكن هذا لا يعني أن القضية الاستثمارية الطويلة الأمد للذهب انتهت. فالدعم الحقيقي للمعدن الأصفر لم يعد قائماً فقط على الخوف من الحروب أو التضخم، بل على تغير أعمق في المشهد النقدي والمالي العالمي.
فالولايات المتحدة تواصل تسجيل عجز كبير في الموازنة، والدين الفدرالي يسير في اتجاه غير مستدام، فيما تستهلك مدفوعات الفوائد حصة متزايدة من إيرادات الحكومة. ورغم أن مكانة الدولار كعملة احتياط أولى في العالم لا تبدو مهددة قريباً، فإن عدداً متزايداً من البنوك المركزية بدأ تنويع احتياطاته تدريجياً وتقليص وزن الدولار.
ومنذ عام 2022، تجاوزت مشتريات الحكومات والبنوك المركزية من الذهب المستويات التاريخية المعتادة. واللافت أن الطلب في هذه الدورة لا تقوده المضاربات أو صناديق المؤشرات فقط، بل مؤسسات سيادية تملك أفقاً استثمارياً طويلاً جداً.
وهذا يمثل تحولاً بنيوياً في طبيعة الطلب على الذهب، ومن غير المرجح أن ينعكس بسرعة.
في المقابل، يبقى المعروض محدوداً نسبياً. فمناجم الذهب الجديدة تحتاج إلى سنوات من الاستكشاف والتطوير قبل بدء الإنتاج، فيما لا يستطيع الذهب المعاد تدويره تعويض ضعف الإمدادات الجديدة بالكامل. وعندما يلتقي طلب مرتفع هيكلياً مع معروض غير مرن، يبقى الاتجاه الطويل الأمد للأسعار صاعداً، حتى لو تخللته فترات تماسك أو تراجع.
والأهم أن الذهب بات يُنظر إليه بشكل متزايد كحماية من المخاطر المالية الحكومية، لا من التضخم فقط. فرغم تراجع التضخم من ذروته بعد الجائحة، تواصل حكومات كثيرة في الاقتصادات المتقدمة مراكمة الديون بوتيرة يصعب الاستمرار بها إلى ما لا نهاية.
لذلك، يركز المستثمرون أكثر على مصداقية السياسات المالية، وميزانيات الدول، واحتمال تعرض البنوك المركزية مستقبلاً لضغوط كي تستوعب ارتفاع الاقتراض العام.
في هذا المناخ، يتحول الذهب إلى نوع من التأمين ضد تآكل الثقة بالعملات الورقية وبالمالية العامة للدول. حتى المخاوف المحدودة بشأن استدامة الديون قد تكون كافية لدفع المستثمرين إلى تخصيص حصة أكبر للمعادن الثمينة داخل محافظ متنوعة.
وبالنسبة إلى مستثمري الخليج، تبقى هذه العوامل مهمة بشكل خاص. فالمنطقة تملك علاقة قديمة بالذهب المادي، ومع تزايد مشاركة المؤسسات المالية وصعود دبي كمركز عالمي لتجارة الذهب وتكريره، يظهر مصدر إضافي للطلب المستقر.
أما عودة الذهب إلى مساره الصاعد في الأشهر المقبلة، فستتوقف على مسار الفائدة الحقيقية، واتجاه الدولار، وثقة الأسواق بقدرة الحكومات على ضبط أوضاعها المالية.
بمعنى أوضح، ضعف الذهب أخيراً لا يعني نهاية السوق الصاعدة الطويلة. هو يعكس صراعاً بين ضغوط نقدية قصيرة الأمد وقوى بنيوية أعمق. والتاريخ يقول إن هذه القوى العميقة غالباً ما تفرض نفسها في النهاية، لكن ذلك يتطلب من المستثمرين صبراً أكثر مما توقعوا. (ذا ناشونال)











اترك ردك