ومع ذلك، يكمن خلف هذه الخطابات سؤال أكثر أهمية: بعد خمس سنوات من توقيعها، ما الذي أصبحت عليه “اتفاقيات أبراهام” حقاً؟
فـ”اتفاقيات أبراهام” تدخل الآن مرحلة ثانية، ولن تعتمد أهميتها على المدى الطويل على جذب المزيد من الموقعين، بل على قدرتها على التحول إلى شيء أكثر طموحاً: إطار غير رسمي للحوكمة الإقليمية.
وأضافت الصحيفة أن ما بدأ في عام 2020 كاختراق دبلوماسي، توسع بثبات ليشمل التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة، والأمن الغذائي، والسياحة، والربط البحري، والتعليم العالي، والاستثمار. وبشكل متزايد، أصبحت الاتفاقيات تدور حول خلق شبكات للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي والمؤسسي، بدلاً من مجرد تبادل السفراء.
يعكس حماس ترامب المتجدد للتوسيع هدفاً اميركيا أوسع؛ إذ إن توسيع الاتفاقيات سيعزز شبكة إقليمية من الشركاء القادرين على التعاون في التجارة والتكنولوجيا والاستخبارات والاستثمار والأمن البحري، مما يسمح لواشنطن بخفض عبئها العسكري في المنطقة تدريجياً. كما أن التوسيع سيعزز أحد أهم إنجازات ترامب في السياسة الخارجية، ويؤطر أي تفاهم مستقبلي مع إيران ليس كتنازل، بل كجزء من استراتيجية أوسع لتحقيق الاستقرار الإقليمي. لكن البيئة السياسية التي جعلت “اتفاقيات أبراهام” ممكنة في عام 2020 لم تعد موجودة”.
وتابعت الصحيفة القول بأنه أصبح من الصعب بشكل متزايد الحفاظ على الافتراض المركزي الذي بنيت عليه الاتفاقيات الأصلية، وهو أن التطبيع يمكن أن يتقدم بينما تظل القضية الفلسطينية معزولة إلى حد كبير، وذلك بعد حرب غزة. فقد أعادت الحرب قضية الدولة الفلسطينية إلى مركز الدبلوماسية العربية، مما أجبر الحكومات على الموازنة بين علاقاتها الاستراتيجية والاقتصادية المتنامية مع إسرائيل، وبين المطالب الشعبية والإقليمية المتجددة لتحقيق تقدم سياسي ملموس.
وتمثل المملكة العربية السعودية أوضح مثال على هذا التحول. فقبل صراع غزة، كانت الرياض تتحرك بحذر نحو التطبيع كجزء من صفقة استراتيجية أوسع مع واشنطن. أما اليوم، ففي حين يواصل القادة السعوديون الاعتراف بالفوائد المحتملة لعلاقات أوثق مع إسرائيل، فقد أوضحوا أن التطبيع يتطلب مساراً لا رجعة فيه نحو الدولة الفلسطينية. لم تعد القضية هي ما إذا كانت السعودية ترى قيمة استراتيجية في الانضمام للاتفاقيات، بل ما إذا كان يمكن إضفاء الشرعية السياسية على التطبيع دون معالجة القضية الفلسطينية”.
وقالت الصحيفة انه تسلط دول خليجية أخرى الضوء على قيود مختلفة؛ فقيمت قطر تكمن في قدرتها على الوساطة بين أطراف نادراً ما تتواصل مباشرة، مما يجعل التطبيع الرسمي مكلفاً لدورها الدبلوماسي. وبالمثل، فإن سياسة الحياد الاستراتيجي طويلة الأمد لسلطنة عمان تثبط الاصطفاف مع مبادرات يُنظر إليها على أنها تفضل تكتلاً إقليمياً واحداً. وفي الوقت نفسه، تُظهر الكويت أن السياسة الخارجية تظل جزءاً لا يتجزأ من الشرعية المحلية؛ فقيادتها تواصل العمل ضمن ثقافة سياسية يظل فيها دعم القضية الفلسطينية متجذراً بعمق.
تُشير هذه الحالات مجتمعة إلى حقيقة أوسع: التوسيع المستقبلي سيعتمد بدرجة أقل على ما إذا كانت الحكومات العربية تدرك المزايا الاقتصادية والاستراتيجية للتعاون مع إسرائيل -فمعظمها يدرك ذلك بالفعل- بل على ما إذا كانت قادرة على إقناع مجتمعاتها بأن التطبيع يدفع الطموحات الفلسطينية إلى الأمام بدلاً من تهميشها. لقد أثبتت المرحلة الأولى من “اتفاقيات أبراهام” أن التطبيع العربي-الإسرائيلي ممكن دون حل الصراع الفلسطيني أولاً، لكن المرحلة الثانية ستختبر ما إذا كان هذا التطبيع سيظل مستداماً سياسياً دون مواجهة ذلك الصراع في نهاية المطاف”.
وبحسب الصحيفة فإن ما يتم تجاهله غالباً في نقاشات التوسيع هو أن “اتفاقيات أبراهام” بدأت بالفعل في تغيير طريقة تنظيم التعاون الإقليمي. إنها لم تعد مجرد مبادرة للتطبيع، بل تشبه بشكل متزايد إطاراً ناشئاً -وإن كان غير رسمي- للحوكمة الإقليمية. وتكمن أهميتها اليوم في خلق منصة مشتركة تتعاون من خلالها الحكومات وصناديق الثروة السيادية والشركات والجامعات عبر قطاعات متعددة.
هذه ليست مشاريع هامشية؛ ففي كل أنحاء الخليج، أصبح التنويع الاقتصادي والتنافسية التكنولوجية ومرونة سلاسل التوريد مكونات مركزية لاستراتيجيات الأمن القومي. توفر “اتفاقيات أبراهام” بشكل متزايد آلية تتابع من خلالها الدول المشاركة هذه الأولويات المشتركة دون الحاجة إلى منظمة إقليمية مؤسسية للغاية.
هذا التطور يفسر أيضاً سبب مرونة الاتفاقيات أكثر مما كان متوقعاً. فمع نمو الاستثمارات وتعمق الشراكات البحثية وتوسع السياحة، لم تعد الحكومات هي الفاعلين الوحيدين المهتمين بالحفاظ على الاستقرار، بل أصبحت مجتمعات الأعمال والجامعات والمؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا تمتلك مصالح ملموسة في استمرار هذا التعاون.
لا يعني هذا أن الإطار أصبح هيكلاً أمنياً إقليمياً شاملاً؛ فـ”اتفاقيات أبراهام” لم تُصمم لتكون “ناتو” للشرق الأوسط، ولا يمكنها حل التنافس الإسرائيلي-الإيراني أو التفاوض على الدولة الفلسطينية. قوتها تكمن في خفض الحواجز السياسية أمام التعاون في المجالات التي تتقارب فيها المصالح، وخلق عادات للتعاون يمكن أن تعزز المرونة الإقليمية تدريجياً حتى مع استمرار التنافس الجيوسياسي.
إذا نجحت واشنطن في خفض التوترات مع طهران مع تشجيع تعاون أعمق بين شركائها الإقليميين، فمن غير المرجح أن تصبح الاتفاقيات المؤسسة الأمنية المحددة للشرق الأوسط. وبدلاً من ذلك، قد تتطور لتصبح ركيزة واحدة من ركائز نظام إقليمي أكثر تعقيداً، حيث يكمل التكامل الاقتصادي والابتكار التكنولوجي الدبلوماسية والترتيبات الأمنية التقليدية بدلاً من أن يحل محلها”.
وتختم الصحيفة أنه لن يتحدد مستقبل “اتفاقيات أبراهام” بعدد الدول الإضافية التي ستنضم إليها، بل بمدى قدرة هذا الإطار على التوفيق بين واقعين متنافسين: الطلب المتزايد في المنطقة على التكامل الاقتصادي والتعاون التكنولوجي، وطلبها الدائم للحصول على أفق سياسي ذي صدقية للفلسطينيين”.











اترك ردك