كثيرة هي الأمور التي لا نريد أن نصدّقها هذه الأيام. الشائعات كثيرة، وقد يكون أذاها أشدّ وطأة من هذه الحرب القذرة، التي لا تميّز بين البشر والحجر. ولكثرة انعدام ثقة المواطنين بدولتهم فإن هذه الشائعات المغرضة تأخذ حجمًا أكثر من حجمها الطبيعي.
ولكن ما هو خطير في هذه الشائعات هو أن مفبركيها خفيّون وغير ظاهرين، وقد يرتدون أحيانًا كثيرة أثواب الحملان، في حين أن نوايا إسرائيل معروفة ومعلنة على الملأ. وهذا ما قصده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في “تصريحه الفصحي” عندما أشار إلى خطورة “أعداء الداخل” غير المنظورين.
ومن بين أخطر ما في هذه الشائعات ما بدأ يظهر إلى العلن، وهو تنامي الحديث عن فتن داخلية، أو بتعبير آخر عودة ما يسمّى بـ “الحرب الأهلية”. ويُخشى أن تنجح هذه الشائعات في تهيئة المناخات الملائمة لما يمكن أن يحضّر له في الغرف السوداء، ومن ثم الانتقال من مرحلة تحضير النفوس إلى مرحلة التنفيذ عبر الاكثار من بث حالات التشويش المترافقة مع حوادث متفرقة تبدأ صغيرة، وما تلبث أن تكبر ككرات الثلج.
المشكلة أن الحروب لا تبدأ دائمًا برصاصة، بل تبدأ أحيانًا بكلمة. كلمة تُقال في غير مكانها، أو تُفبرك عن قصد، أو تُنشر في لحظة خوف، فتتحول إلى شرارة في بيئة مشتعلة أصلًا.
الفتنة لا تحتاج عادة إلى جيوش، بل إلى بيئة خائفة، وإلى عقول مستعدة للتصديق، وإلى شائعات تُبثّ في الوقت المناسب. وعندما تكتمل هذه العناصر، يصبح إشعالها أسهل بكثير مما يظن البعض.
لهذا، قد لا يكون أخطر ما نواجهه اليوم هو الحرب نفسها، بل ما يسبقها وما سيليها. هذا المناخ المسموم الذي يُبنى بصمت، وهذا الخوف الذي يتسلّل إلى النفوس، وهذا الشك الذي يبدأ صغيرًا ثم يكبر، هو ما يخيف.
إلاّ أن ما نريد أن نصدّقه بالفعل هو إمكانية نجاح المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، ولو بالحدود الممكنة والدنيا لهذا النجاح، توصلًا إلى وقف حقيقي هذه المرّة لآلة الموت والدمار والتشريد. ومن بين الأمور التي لا نريد أن نصدّقها ايضًا وأيضًا ما قيل عن محاولة انقلابية كان يخطّط لها “حزب الله”، وما قيل إن إسرائيل هي من أحبطت هذه المحاولة يوم “الأربعاء الأسود”.











اترك ردك