أما في حال تعثر هذه الخطوات، فإن صيغة الإطار ستدخل مرحلة شديدة الحساسية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر إعادة الجنوب اللبناني إلى دائرة التصعيد، في ظل استمرار المواجهة المفتوحة في المنطقة.
بالتوازي مع الملف اللبناني، كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أنه بحث مع الرئيس السوري أحمد الشرع إمكانية مساهمة دمشق في معالجة ملف “حزب الله”، مشيراً إلى أن الرئيس السوري أبدى استعداداً لتقديم المساعدة، من دون الكشف عن طبيعة الالتزامات التي جرى بحثها خلال اللقاء الذي عُقد على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة.
وأوضح ترامب أن المحادثات مع الشرع تناولت عدداً من الملفات الإقليمية، معتبراً أن هناك تقدماً يتحقق في هذا الاتجاه، فيما ترك الباب مفتوحاً أمام احتمال مساهمة سوريا في أي ترتيبات مستقبلية مرتبطة بالوضع اللبناني.
في المقابل، كان الرئيس السوري قد أكد في مناسبات سابقة، أن بلاده لا تعتزم القيام بأي دور عسكري داخل لبنان، مشدداً على أن أولويات دمشق تنحصر في إعادة إعمار سوريا وتعزيز التعاون الاقتصادي مع بيروت، نافياً صحة التقارير التي تحدثت عن احتمال تدخل عسكري سوري في الأراضي اللبنانية.
في المقابل، أكّد الرئيس نبيه بري” أن سوريا ليست في هذا الوارد”، مشدداً على أن لقاءه مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الأسبوع الماضي “طُرحت فيه كل الأمور بوضوح شديد”.
أكد بري “أنه في نهاية المطاف، لا بد من العودة إلى ما ورد في شأن لبنان في مذكرة التفاهم الإيرانية – الأميركية” التي بدأ التفاوض عليها في إسلام آباد
وفي إطار التحضير للجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية – الاسرائيلية في روما في 14 و15 تموز الجاري أجرى السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى سلسلة لقاءات مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام.
وأكد السفير الأميركي أن اجتماع روما لا يشكل مساراً تفاوضياً جديداً، بل يأتي لاستكمال ما اتفق عليه في واشنطن، موضحاً أن نقل الاجتماعات إلى العاصمة الإيطالية يعود إلى اعتبارات تقنية وتنظيمية تتعلق بتسهيل عمل الوفود والخبراء، فيما ستتولى فرق متخصصة متابعة الجوانب القانونية والفنية والتنفيذية للاتفاق. كما كشف أن وفداً عسكرياً أميركياً سيصل إلى بيروت خلال الأيام المقبلة، لاستكمال التنسيق الميداني المتعلق بآلية الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، بما يمنع أي فراغ أمني خلال المرحلة الانتقالية.
وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن واشنطن انتقلت من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة الدفع القوي لتنفيذ صيغة الاتفاق الإطاري بكل مندرجاتها، انطلاقًا من مبدأ واضح: انسحاب إسرائيلي تدريجي ومتزامن من الجنوب، مقابل استكمال بسط سلطة الدولة اللبنانية وحصر السلاح بيدها، بما يشمل إنهاء الواقع العسكري والأمني الذي فرضه “حزب الله” خارج الشرعية.
وفي حديث صحافي سئل الرئيس عون عما يريده لبنان من لقاء البيت الأبيض، فأجاب: «نريد أولاً أن يبقى ملف لبنان على طاولة الاهتمامات الأميركية ونريد أن نرسِّخ موقعه عليها. لا ضرورة للتذكير بأهمية أن تكون لنا علاقة جيدة مع الولايات المتحدة، وأن نستفيد من إعراب الرئيس دونالد ترمب عن رغبته في مساعدتنا، ودوره حيوي ونراهن عليه. نحن أمام وضع شديد الصعوبة والتعقيد. ونعرف جيداً أن الولايات المتحدة هي الطرف الوحيد القادر على ممارسة ضغط على الحكومة الإسرائيلية لمنعها من استهداف الضاحية الجنوبية أو البنية التحتية أو توسيع المناطق المحتلة في جنوب لبنان. ليست هناك جهة أخرى قادرة على القيام بهذا الدور».
وأضاف: «نريد من الإدارة الأميركية أن تساعدنا في استعادة كامل أرضنا. نحن لن نفرط لا بشبر ولا بمواطن. موضوع السيادة عندنا ليس قابلاً للتنازل أو الاجتهاد. إنه في طليعة الثوابت الوطنية التي نحرص على التقيد بها. نريد عودة الأرض وأن تكون في عهدة الجيش اللبناني وحده، أي في عهدة المؤسسات الشرعية اللبنانية».
وشدَّد على أن «ما يطالب به لبنان في هذا السياق هو حقه الطبيعي في بسط سلطة مؤسساته الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية. لا يمكننا ترك جنوب لبنان أسيراً لتطورات الأوضاع في المنطقة وأن يدفع أبناؤه وفي حقب مختلفة أثماناً باهظة من أرواحهم وأملاكهم. ثم إن مصير لبنان لا يمكن فصله عن مصير جنوبه لا في الأمن ولا في الاقتصاد ولا في الاستقرار».
وتابع: «نريد من الرئيس ترمب دعمنا في مطالبنا المحقة باستعادة كامل أرضنا، وهو يتوقع أن ينجح في إقناع إسرائيل بالانسحاب من لبنان. أريد إطلاعه على الواقع كما هو في جنوب لبنان ومخاطر استمراره على الوضع الحالي أو العودة إلى التصعيد. نأمل أيضاً بدعم أميركي للجيش اللبناني المطالب بالقيام بمهمات ليس سهلة وهو يحتاج إلى دعم. نريد أيضاً دعماً أميركياً لإعادة إعمار ما هدمته الحرب ومساعدات لتحريك الاقتصاد اللبناني بعد الخسائر الكبيرة التي لحقت به».
وعن الانقسام حول أسلوب المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، يقول الرئيس عون: «لم نكن في وضع يسمح بخيارات مثالية. كانت الحرب تهدد بالاتساع، ومعها اتساع المنطقة المحتلة. وكانت مشاهد النزوح قاسية ومعها مشاهد الدمار. كان هناك خطر إلحاق دمار واسع ببيروت وبالبنية التحتية. كنا في الواقع أمام خيار وحيد، خصوصاً في ضوء الخلل الكبير في ميزان القوى. لم يكن أمامنا غير طلب مساعدة الولايات المتحدة. كانت المفاوضات المباشرة الخيار الوحيد المتاح كي نبذل محاولة جدية لاختصار فترة الاحتلال لأرضنا ولاختصار عذابات النازحين وفتح الباب لعودتهم إلى قراهم والسعي إلى إعادة إعمار ما تهدم».












اترك ردك