وجاءت التساؤلات عقب تصريحات للإعلامي الأميركي تاكر كارلسون، تحدث فيها عن معلومات تتعلق باحتمال توجيه ضربة نووية إلى إيران خلال أيام، وسط ضغوط ينسبها إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وبمعزل عن مدى دقة هذه المعلومات، التي لم تتوافر أدلة مستقلّة تؤكدها، فإن توقيت طرحها عشية الانتخابات النصفية الأميركية يفتح الباب أمام احتمال توظيفها في المعركة الداخلية. فهل أراد كارلسون التحذير من قرار يجري التحضير له، أم أنه أراد تشكيل وسيلة للضغط على إدارة ترامب والتأثير في خيارات الناخبين قبل ساعات من توجههم إلى صناديق الاقتراع؟
تلفت مصادر دبلوماسية مطلعة إلى أن التوقيت وحده لا يكفي لترجيح أي من الاحتمالين، خصوصاً أن الخلافات داخل الولايات المتحدة بشأن الانخراط في حروب جديدة لا تقتصر على الانقسام التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل تمتدّ إلى داخل القاعدة السياسية المؤيدة لترامب. وبالتالي، فإن التحذير من مغامرة عسكرية كبرى قد يكون موجّهاً أيضاً إلى الرئيس نفسه، في محاولة لمنع انزلاقه نحو خيارات لا تحظى بإجماع داخل معسكره. وهذا ما يجعل التعامل مع تصريحات كارلسون باعتبارها تسريباً مؤكداً، أو مجرد مناورة انتخابية محسومة الأهداف، أمراً متسرعاً في الحالتين.
أما في ما يتعلق بنتنياهو، فإن الضغوط المنسوبة إليه لا يمكن فصلها عن وضعه السياسي الداخلي ولا عن رغبته في إبقاء الملف الإيراني في صدارة الأولويات الأميركية. ووفق المصادر، فإن استمرار التوتر مع طهران يمنحه مساحة لإعادة توجيه النقاش الإسرائيلي نحو التحديات الأمنية، في وقت يواجه فيه تحديات انتخابية وقضائية. لكن المصادر تميّز بين رغبة إسرائيل في دفع واشنطن إلى مزيد من التشدد، وبين قدرة نتنياهو على إقناع الإدارة الأميركية باستخدام السلاح النووي، لأن قراراً كهذا ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن تبعاته أمام العالم، ولن يكون ممكناً حصر نتائجه بالمصلحة الإسرائيلية.
ومن هنا، تنطلق المصادر في استبعادها فرضية الضربة النووية من حسابات تتصل بالموقع الدولي للولايات المتحدة نفسها. فاستخدام هذا السلاح ضد إيران سيضع واشنطن أمام موجة غضب عالمية يصعب احتواؤها، وقد يعرّض علاقاتها مع حلفائها لاختبارات قاسية، فضلاً عن أنه سيضعف قدرتها على مطالبة القوى الأخرى بضبط سلوكها العسكري. والأخطر من ذلك، أن خطوة كهذه قد تمنح الدول المالكة للسلاح النووي مبررات سياسية لتوسيع خياراتها العسكرية، وتدفع دولاً أخرى إلى البحث عن ضمانات أمنية خارج الاتفاقيات الدولية، بما يهدد بإطلاق سباق تسلّح يصعب احتواؤه.
وفي الحالة الإيرانية تحديداً، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً. فالتلويح بضربة نووية ضد طهران، في الوقت الذي تتعرض فيه لضغوط لمنعها من امتلاك السلاح نفسه، قد يمنح التيارات الداعية إلى تغيير العقيدة النووية الإيرانية حجة إضافية للمطالبة بإعادة النظر في الخيارات القائمة. وتؤكد المصادر أن ذلك يعني بأن إيران قد اتخذت قراراً بإنتاج قنبلة نووية، أو بأن امتلاكها لها أصبح أمراً مؤكداً، لكنه يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت سياسة التهديد المستمرة تُسهم بشكل مباشر في تقوية الاتجاه الذي تسعى واشنطن إلى منعه.
في المقابل، لا تعتبر المصادر أن استبعاد الخيار النووي يعني أن احتمالات المواجهة العسكرية قد تراجعت. فالتصعيد التقليدي يبقى وارداً في ظل استمرار الخلافات بشأن البرنامج النووي الإيراني، والضغوط الإسرائيلية الرامية إلى منع أي تسوية لا تستجيب لمطالبها الأمنية. إلا أن الفارق بين الاحتمالين كبير، لأن واشنطن تستطيع تقدير كلفة الضربات التقليدية بدرجة أكبر، بينما يصعب عليها التحكم بالنتائج السياسية والعسكرية المترتبة على استخدام السلاح النووي، خصوصاً إذا أدى ذلك إلى ردود فعل إقليمية ودولية تتجاوز حدود المواجهة المباشرة.
وفي هذا الإطار، لا تبدو المسألة مرتبطة حصراً بصحة معلومات كارلسون، بل بما يكشفه توقيت تداولها عن حجم التداخل بين الصراع مع إيران والتجاذبات السياسية داخل الولايات المتحدة وإسرائيل. وبحسب المصادر، فإن التصعيد الذي قد يخدم طرفاً في معركة انتخابية أو يمنح آخر فرصة لتحسين موقعه الداخلي، لا يعني بالضرورة أنه ينسجم مع المصالح الاستراتيجية الأميركية، ولا أن المؤسسات المعنية بصنع القرار في واشنطن مستعدة لتحمل نتائجه.
وعليه، فإن استبعاد استخدام السلاح النووي لا يعني أن التصعيد مع إيران بات خارج الحسابات الأميركية، بل إن الخيارات العسكرية الأخرى تبقى مطروحة، في ظل استمرار الضغوط الإسرائيلية والتجاذبات داخل واشنطن. غير أن طرح الخيار النووي عشية استحقاق انتخابي أميركي حساس يثير تساؤلات جدية حول حدود توظيف الملف الإيراني في الصراعات الداخلية. وفي وقت تسعى فيه واشنطن إلى منع طهران من امتلاك هذا السلاح، قد يدفع التصعيد المتواصل باتجاه تعزيز المواقف الإيرانية المطالبة بتغيير العقيدة الدفاعية، بما يجعل السياسة الأميركية عاملاً إضافياً في تعقيد الملف الذي تسعى إلى حسمه.











اترك ردك