الجنوب أمام خريطة جديدة؟ هذه أبعاد “أوسلو لبنان” وتحذير جنبلاط

قبل أيام، أطلق الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط تحذيراً لافتاً، قائلاً إن “أوسلو الفلسطيني ولد ميتاً، وأوسلو اللبناني على الطريق”، في إشارة إلى مخاوف من أطماع إسرائيلية قد تتجاوز الأرض والمياه وصولاً إلى إقامة مستوطنات.

 

يأتي تحذير جنبلاط فيما تتواصل التحضيرات لمفاوضات تامبا بين لبنان وإسرائيل، وسط استمرار القصف الإسرائيلي جنوباً رغم الهدنة المعلنة. وهنا يبرز سؤال أساسي: هل تقود المفاوضات إلى إنهاء الاحتلال، أم تمنح إسرائيل فرصة لتثبيت وجودها وفرض شروط جديدة؟

 

في قراءة للمشهد، يقول مصدر عسكري سابق لـ”لبنان24″ أن المخاوف تكمن في سعي إسرائيل إلى تحقيق مكاسب ميدانية وسياسية قبل انتخاباتها المرتقبة أواخر تشرين الأول الجاري، خصوصاً أن المفاوضات المحصورة بالإطارين العسكري والأمني لا تبدو مرشحة للتحوّل إلى مسار سياسي شامل ينتهي بتسوية نهائية.

 

وتتمثل العقدة الأساسية، بحسب المصدر، في استمرار إسرائيل بربط انسحابها من الأراضي اللبنانية بتسليم “حزب الله” سلاحه، فيما يتمسك الأخير بمواقفه وخياراته، ويعمل على إدارة وجوده في الجنوب والتكيّف مع الوقائع الميدانية، في ظل مواجهة مؤجلة لم تُحسم احتمالاتها بعد. في المقابل، تستخدم إسرائيل استمرار هذا الواقع ذريعة للإبقاء على وجودها العسكري وفرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد.

 

هنا، تعود مسألة المناطق التجريبية إلى الواجهة، إذ قد تستند إسرائيل إلى عدم نجاح الترتيبات الأمنية فيها، وفق تقييمها، لتبرير تأجيل الانسحاب أو توسيع نطاق سيطرتها، وربما تعطيل الانتقال إلى مناطق تجريبية إضافية. وبذلك، يصبح التفاوض، الذي يعتبر ضرورياً جداً، وسيلة لإدارة الواقع القائم بدلاً من تغييره، وهنا تكمن الثغرة الأكبر التي يجب الالتفات إليها والتعامل معها.

 

الأخطر أن إسرائيل قد تسعى إلى إعادة رسم الجغرافيا الأمنية في الجنوب، من دون التوجه نحو تسوية سياسية فعلية، ما يعني، وفق المصدر، إبقاء ملف الانسحاب مفتوحاً وربطه بشروط يصعب تحقيقها في المدى المنظور.

 

من هنا، يمكن فهم تحذير جنبلاط واستحضاره تجربة أوسلو الفلسطينية، حيث تحوّل مسار التفاوض، في نظره، إلى عملية مفتوحة أتاحت لإسرائيل فرض وقائع جديدة على الأرض، بدلاً من الوصول إلى حل نهائي.

 

وعليه، فإن مكمن الخوف اللبناني يرتبط في أن تقود كل جولة تفاوضية إلى مطالب إسرائيلية إضافية، فيما يبقى الانسحاب مؤجلاً وتصبح استعادة الأراضي أكثر تعقيداً. لذلك، تبرز أهمية زيادة الضغط الدبلوماسي الدولي على إسرائيل وربط المفاوضات بخطوات انسحاب فعلية، بدلاً من الاكتفاء بإدارة التوتر.

 

وهنا تكمن رسالة جنبلاط الأساسية: مفاوضات مستمرة، وشروط تتوسع، واحتلال يُدار بدلاً من أن ينتهي. فهل يصبح لبنان أمام تسوية تنهي الاحتلال، أم أمام “أوسلو جديد” يمنح إسرائيل الوقت لفرض جغرافيا مختلفة في الجنوب؟