ويقول التقرير إنه مع اقتراب انتهاء التفويض الحالي، يدخل ملف “اليونيفيل” مرحلة حاسمة تعكس تداخلاً بين الاعتبارات الأمنية والتجاذبات الإقليمية والدولية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الأميركية والإسرائيلية لإنهاء المهمة أو إعادة صياغتها بصورة جذرية، مقابل تمسك أطراف أخرى باستمرارها باعتبارها أحد عناصر الاستقرار في الجنوب اللبناني.
وفي هذا الإطار، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني أن باريس وروما تعملان على تشكيل “ائتلاف متعدد الجنسيات” لمرحلة ما بعد انتهاء تفويض “اليونيفيل” في كانون الأول المقبل، بهدف منع حدوث فراغ أمني قد يهدد الاستقرار في جنوب لبنان.
وخلال محادثات عُقدت في مدينة أنتيب الفرنسية، أوضح ماكرون أن المبادرة تهدف إلى إطلاق إطار دولي منسق بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، لضمان استمرار الاستقرار ومنع تحوّل الجنوب اللبناني إلى بؤرة توتر إقليمي.
من جهتها، شددت ميلوني على أن غياب وجود دولي منظم قد يفتح الباب أمام أخطار أمنية كبيرة يصعب احتواؤها، مؤكدة أن “إيطاليا وفرنسا تستطيعان بالتأكيد إحداث فرق”، وأن “وجوداً دولياً منسقاً أمر ضروري لتجنب فراغ أمني بالغ الخطورة”.
وتعد فرنسا وإيطاليا من أبرز الدول المساهمة في قوة “اليونيفيل” المنتشرة في جنوب لبنان بمحاذاة الخط الأزرق الفاصل مع إسرائيل، والتي تُعد من أكبر عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
واليوم الجمعة، رحّب رئيس الجمهورية جوزاف عون بالإعلان الذي صدر عن الرئيس الفرنسي ورئيسة الوزراء الإيطالية في شأن السعي إلى تشكيل تحالف دولي حول آلية ما بعد القوات الدولية العاملة في الجنوب (اليونيفيل).
ورأى عون في هذه المبادرة “تعبيراً صادقاً عن الالتزام الدولي بدعم سيادة لبنان واستقراره، وتثمينا حقيقياً للدور الذي تضطلع به القوات المسلحة اللبنانية في حفظ الأمن وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، لا سيما في المناطق الحدودية الجنوبية”.
وأعرب الرئيس عون عن تقديره للتأكيد الإيطالي الفرنسي المشترك على ضرورة عدم ترك أي فراغ خطير في مرحلة ما بعد “اليونيفيل”، إذ يتطابق هذا التوجه مع الرؤية اللبنانية الثابتة القائلة بأن الجيش اللبناني هو الضمانة الوحيدة والحقيقية لأمن الجنوب وصون سيادته.
وأكد رئيس الجمهورية أن لبنان يتطلع إلى أي صيغة دولية تُعزز قدرات قواته المسلحة وتصون وحدة أراضيه، وتحول دون تحوّل أرضه إلى ساحة للتصعيد أو التجاذبات الإقليمية، مُجدِّداً انفتاح لبنان على التنسيق مع شركائه الدوليين بما يخدم مصلحة الشعب اللبناني ويُرسّخ الاستقرار في المنطقة.
وتأتي هذه التحركات في ظل نقاش دولي متصاعد حول مستقبل القوة الأممية، التي تنتشر في جنوب لبنان منذ عام 1978، قبل أن تتوسع مهامها عقب حرب عام 2006 بموجب القرار 1701، الذي أوكل إليها مراقبة وقف إطلاق النار ودعم انتشار الجيش اللبناني في الجنوب.
وتضم “اليونيفيل” حالياً نحو 7500 جندي من حوالى 50 دولة، إلا أن التطورات السياسية والأمنية الأخيرة أعادت طرح التساؤلات بشأن جدوى استمرارها، خصوصاً مع استمرار الخروقات والتوترات بين إسرائيل و”حزب الله”، بالتوازي مع مسار دبلوماسي لم يكتمل بعد لتنظيم الوضع الحدودي.
وفي آب 2025، قرر مجلس الأمن الدولي، بضغط أميركي، إنهاء تفويض “اليونيفيل” في 31 ديسمبر/كانون الأول 2026، ما وضع المجتمع الدولي أمام مرحلة انتقالية حساسة تتطلب البحث عن بدائل أو ترتيبات جديدة تحول دون وقوع فراغ أمني في الجنوب اللبناني.
في المقابل، يتمسك لبنان باستمرار وجود قوة دولية تحت مظلة الأمم المتحدة، معتبراً أنها تشكل ركيزة أساسية للحفاظ على الاستقرار ودعم الجيش اللبناني الذي يواصل توسيع انتشاره تدريجياً في الجنوب، كما ترى بيروت أن أي انسحاب مفاجئ قد يضعف قدرة الدولة على تنفيذ القرار 1701 ويزيد احتمالات التصعيد.
وفي حال تعثر التوافق داخل مجلس الأمن، تبرز بدائل خارج الإطار الأممي، من بينها إنشاء قوة متعددة الجنسيات بقيادة أوروبية، أو اعتماد ترتيبات ثنائية بين لبنان ودول تشارك حالياً في “اليونيفيل”، مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا.
وفي شباط الماضي، طلب الرئيس اللبناني جوزيف عون من ألمانيا، التي تقود القوة البحرية التابعة لـ”اليونيفيل”، أن تضطلع بـ”دور أساسي” بعد انتهاء مهمة القوة الأممية.
من جهته، شدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في الآونة الأخيرة، على ضرورة الإبقاء على وجود عسكري أممي في لبنان بعد انتهاء التفويض الحالي، إلا أن هذا الطرح يُتوقع أن يواجه تحفظات أميركية وإسرائيلية، ما يجعل أي صيغة دولية جديدة أمام اختبار سياسي صعب داخل مجلس الأمن.
وبالتوازي مع هذه النقاشات، تتعدد السيناريوهات المطروحة لمرحلة ما بعد “اليونيفيل”، وفق مراقبين، وأبرزها الإبقاء على القوة ولكن بصيغة مخففة من حيث العدد والمهام، أو تعزيز دور آلية مراقبة الهدنة التابعة للأمم المتحدة، غير أن هذه الخيارات تواجه تحديات سياسية ومالية في ظل تباين مواقف أعضاء مجلس الأمن وتراجع موازنات عمليات حفظ السلام.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان مفتوحاً على احتمالات سياسية وأمنية معقدة، في مرحلة ينظر إليها على أنها مفصلية لإعادة رسم قواعد الاشتباك وترتيبات الاستقرار على الحدود الجنوبية.










اترك ردك