بري في ذكرى الصدر… هل تحدّث بلسان “حزب الله” أم رسم له سقف التفاوض؟

لم يكن الكلام الذي أطلقه الرئيس نبيه بري في الذكرى الثامنة والأربعين لتغييب الإمام موسى الصدر مجرد خطاب سياسي تقليدي فرضته المناسبة، ولا مجرد تجديد لمواقف سبق أن أعلنها في شأن الجنوب والحرب والتفاوض. ففي توقيت بالغ الحساسية، ومع استمرار البحث عن صيغة تنهي الحرب وتضع حداً للتوتر على الحدود، بدا رئيس مجلس النواب، وبصفتيه الرسمية والحركية، وكأنه يرسم خريطة طريق سياسية لما يمكن أن يقبل به لبنان، وما لا يستطيع أن يقبله، واضعاً في الوقت نفسه مجموعة من الخطوط الحمر التي يصعب تجاوزها من دون الاصطدام بموقف “الثنائي الشيعي.”

ولعل أكثر ما يستوقف في كلام بري قوله إن الجنوب لن يكون “منطقة عازلة أو حزاماً أمنياً لأي كان مهما بلغت التضحيات وتحت أي ظرف”. هذا الموقف لا يمكن فصله عن النقاش الدائر حول مستقبل الجنوب والترتيبات الأمنية التي قد تنتج عن أي اتفاق مقبل. فالمسألة بالنسبة إلى بري لا تبدو مجرد رفض لاحتلال إسرائيلي جديد، بل رفض لتحويل نتائج الحرب، أياً كانت، إلى واقع أمني دائم يفرض على لبنان من الخارج. وهو بذلك ينقل النقاش من مجرد البحث في وقف إطلاق النار إلى السؤال الأكثر حساسية، وهو: ماذا سيكون شكل الجنوب في اليوم التالي؟
وفي المقابل، عندما يسأل بري عن حصيلة سبع جولات من التفاوض، ويشير إلى أن النتيجة كانت اتساع رقعة الاحتلال وازدياد التدمير وسقوط المزيد من الشهداء واستمرار إسرائيل في الحرب، فإنه لا يغلق بالضرورة باب التفاوض، وإنما يعترض على مسار تفاوضي يرى أن نتائجه العملية لمصلحة طرف واحد. وكأن الرسالة التي يريد إيصالها هي أن التفاوض لا يمكن أن يتحول إلى مسار يمنح إسرائيل الوقت لتحسين شروطها الميدانية ثم العودة إلى الطاولة من موقع أقوى. ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه بري، بصورة غير مباشرة، ليس ما إذا كان لبنان يريد التفاوض، بل ماذا حصل لبنان في المقابل بعد كل هذه الجولات؟

من هنا يمكن فهم اعتراضه على أي تصرف بالعناوين السيادية تحت مسميات مختلفة، سواء كان “اتفاق إطار” أو “ملحقات سرية” أو غير ذلك. فبري، الذي يعرف جيداً معنى الاتفاقات السياسية والأمنية، يبدو وكأنه يريد قطع الطريق أمام أي تفاهم قد يتجاوز المؤسسات اللبنانية أو يضع أمامها أمراً واقعاً مكتمل العناصر. وهو بذلك لا يرفض بالضرورة فكرة وجود إطار تفاوضي، لكنه يرفض أن يتحول هذا الإطار إلى مظلة تسمح بتمرير التزامات لبنانية غير معلنة أو غير خاضعة للنقاش السياسي والدستوري.
وهنا تحديداً تظهر الوظيفة السياسية الأهم لكلام بري. فهو لا يتحدث بلغة “حزب الله” العسكرية، ولا يكرر حرفياً أدبيات المقاومة، لكنه يأخذ الهواجس الأساسية التي يتمسك بها “الحزب” ويعيد صياغتها بلغة أكثر دبلوماسية. فـ “الحزب” يقول، من موقعه، إنه لن يقبل إملاءات خارجية أو تسوية تنتزع منه أوراق قوته تحت الضغط. أما بري فيقول إن السيادة ليست ملكاً لفريق، وإن أي اتفاق يمس الجنوب أو الأمن الوطني لا يمكن أن يمر من خارج المؤسسات اللبنانية.
وهذا هو الفارق الذي يجعل اختزال موقف بري بأنه مجرد “ترجمة لموقف حزب الله” قراءة ناقصة. الأدق أن بري يحاول تحويل موقف “الحزب” من خطاب مقاوم يصعب وضعه على طاولة التفاوض الدولية إلى خطاب سياسي يمكن مناقشته ضمن مفاهيم السيادة والدستور والجيش والوحدة الوطنية. إنه، بمعنى ما، يوفر لـ “الحزب” مساحة سياسية أوسع للمناورة، من دون أن يتبنى بالضرورة كل أدواته وخياراته.
ومن هذه الزاوية، يصبح موقف بري أكثر تعقيداً من مجرد رفض “اتفاق الإطار”. فهو ربما لا يرفض الإطار كمبدأ، بقدر ما يريد أن يعرف مضمون هذا الإطار وحدوده وضماناته وآليات تنفيذه. من يضمن الانسحاب الإسرائيلي؟ من يحدد شكل المنطقة الحدودية؟ ما هو دور الجيش؟ ماذا سيكون مصير السلاح؟ من يملك حق تفسير البنود؟ وهل هناك التزامات إضافية أو ملاحق لا يعرف بها اللبنانيون؟ هذه الأسئلة تبدو كامنة خلف اعتراضه على “الملحقات السرية”، وربما هي التي ستحدد في النهاية موقفه من أي صيغة يجري إعدادها.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة خطاب بري باعتباره ورقة تفاوض أكثر منه إعلان رفض. فهو يقول لواشنطن إن لبنان ليس مستعداً لتلقي صيغة جاهزة، ويقول لإسرائيل إن المكاسب الميدانية لا تعني تلقائياً مكاسب سياسية دائمة، ويقول للداخل الشيعي إن الجنوب لن يكون متروكاً لمعادلات أمنية خارجية، ويقول للدولة اللبنانية في الوقت نفسه إن الجيش والوحدة الوطنية يجب أن يبقيا في صلب أي تسوية.
لكن الرسالة الأهم قد تكون موجهة إلى “حزب الله” نفسه. فبري، بحكم موقعه السياسي وتاريخه، يعرف أن “الحزب” لا يستطيع أن يذهب إلى مواجهة مفتوحة مع الداخل اللبناني حول مستقبل سلاحه، كما لا يستطيع في المقابل أن يقبل بسهولة بتسوية دولية تنتزع منه هذه الورقة دفعة واحدة. لذلك تأتي لغة بري أكثر مرونة: لا تنازل عن السيادة، لا منطقة عازلة، لا اتفاقات سرية، لكن أيضاً لا إغلاقًا نهائيًا لباب التفاوض.
وهنا يصبح بري أشبه بجسر بين ضفتين: ضفة “المقاومة” التي ترفض تقديم تنازلات تحت الضغط، وضفة الدولة التي لا تستطيع أن تبقى خارج أي تسوية مقبلة. ولذلك فإن وظيفته السياسية قد لا تكون تعطيل التسوية، بل محاولة منعها من التحول إلى استسلام، وفي الوقت نفسه منع الموقف الشيعي من التحول إلى مواجهة داخلية جديدة.
إلاّ أن مواقف الرئيس بري هذه، على أهميتها من وجهة نظر معينة، لم تقدّم البديل عن التفاوض المباشر مع إسرائيل لتأمين الشروط الواردة في خطابه، بالطبع من دون إغفال عامل أن ما وصل إليه لبنان هو نتيجة لحربي الاسناد، اللذين أعلنهما “حزب الله” دفاعًا عن “حماس” في غزة، وثأرًا لاغتيال الامام على الخامنئي.