سنة على 7 آب… مراوحة حكومية ولا حلول في الأفق المنظور

مرّ عام على السابع من آب “حصرية السلاح”، فيما لا يزال اللبنانيون ينتظرون أن تتحول الوعود إلى وقائع، والبرامج إلى إنجازات، والقرارات إلى حلول تلامس أزماتهم اليومية. وإذا كانت الحكومة قد نجحت في اجتياز محطات سياسية وأمنية دقيقة، فإنها لم تتمكن حتى الآن من إقناع اللبنانيين بأن البلاد دخلت فعلاً مرحلة الخروج من أزماتها المتراكمة.

فبعد سنة كاملة، تبدو الصورة مزدوجة. فمن جهة، استطاعت السلطة الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار السياسي والأمني في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، وأعادت فتح قنوات التواصل مع المجتمعين العربي والدولي، وخاضت ملفات حساسة تتعلق بالجنوب، والمفاوضات غير المباشرة، والإصلاحات المطلوبة. لكن، من جهة أخرى، بقيت معظم الملفات الداخلية تراوح مكانها.

فالانهيار الاقتصادي لم يجد بعد طريقه إلى المعالجة الجدية، والإصلاحات المالية لا تزال تصطدم بالخلافات السياسية، فيما ينتظر المودعون حلولاً تعيد إليهم جزءاً من حقوقهم. أما إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإقرار القوانين الإصلاحية، وإطلاق عجلة النمو، فما زالت ملفات مفتوحة أكثر منها مشاريع قيد التنفيذ.

وفي موازاة ذلك، لم يلمس اللبنانيون تحولاً نوعياً في أداء الإدارة العامة أو في مستوى الخدمات الأساسية. فلا الكهرباء خرجت من دائرة الأزمات، ولا البنية التحتية شهدت ورشة إصلاح حقيقية، ولا ملف إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب وجد خريطة طريق واضحة، رغم كثرة الوعود واللقاءات الدولية.
أما الملفات السيادية، وفي مقدمها استكمال الانسحاب الإسرائيلي، وتثبيت الاستقرار في الجنوب، وحصرية السلاح بيد الدولة، فلا تزال تتحرك وفق إيقاع التطورات الإقليمية أكثر مما تتحرك وفق القرار اللبناني، وهو ما يجعل قدرة الحكومة على تحقيق اختراقات حاسمة مرتبطة بعوامل تتجاوز حدودها.
وفي القضاء، لا تزال القضايا الكبرى، وفي مقدمها انفجار مرفأ بيروت، تشكل اختباراً لصدقية الدولة. فكل تأخير في الوصول إلى الحقيقة لا ينعكس فقط على حقوق الضحايا، بل يضعف ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم، ويعمق الشعور بأن العدالة ما زالت أسيرة التجاذبات.

ولا يعني ذلك إنكار ما تحقق خلال الأشهر الماضية، لكن الإنجازات السياسية تبقى ناقصة إذا لم تنعكس على حياة المواطنين. فالمواطن الذي يعاني من غلاء المعيشة، وتراجع الخدمات، وغياب فرص العمل، يقيس نجاح الحكومات بما يلمسه في حياته اليومية، لا بما يصدر عنها من بيانات أو خطط.

اليوم، وبعد عام، يبدو أن الحكومة تقف أمام مرحلة مختلفة. فزمن منحها فرصة إضافية يضيق، فيما تتسع دائرة المطالب بتحويل التعهدات إلى خطوات تنفيذية واضحة، ضمن جداول زمنية قابلة للمحاسبة.

فلبنان لم يعد يحتمل إدارة الأزمات، بل يحتاج إلى قرارات جريئة تعيد الثقة بالدولة، وتطلق مسار الإصلاح، وتؤكد أن المؤسسات قادرة على إنتاج الحلول لا الاكتفاء بإدارة المراوحة.

إن مرور سنة على السابع من آب يجب ألا يكون مناسبة لتعداد ما أُنجز وما لم يُنجز فحسب، بل فرصة لإعادة تقييم الأولويات. فإما أن تتحول السنة الثانية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، وإما أن يبقى اللبنانيون أسرى الانتظار، فيما تتقدم الأزمات على حساب الدولة، وتتراجع الآمال بحلول لا يزال أفقها بعيداً.