طرقات لبنان “عصفورية ومفتوحة”

بعيداً من الهموم السياسية، والاستعدادات الجارية على قدم وساق لجولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في روما، وبعيداً أيضاً من التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، يبقى همّ آخر يطارد اللبنانيين والسياح والمغتربين على حد سواء، وهو همّ لا يقل خطورة عن أي تحدٍ أمني أو سياسي، ويتمثل في الفوضى المستشرية على الطرقات اللبنانية.


فكل من يقرر الانتقال من منطقة إلى أخرى يضع يده على قلبه، لا خوفاً من تطور أمني، بل من احتمال ألا يصل إلى وجهته سالماً. ولم تعد حوادث السير مجرد أرقام تتصدر نشرات الأخبار، بل تحولت إلى ظاهرة يومية تكشف حجم الانفلات وغياب الدولة عن أحد أبسط واجباتها، وهو حماية حياة المواطنين.

ولا يحتاج الأمر إلى تقارير رسمية لإثبات حجم الكارثة. فالطرقات اللبنانية أصبحت مسرحاً مفتوحاً لكل أشكال المخالفات: سرعة جنونية، تجاوزات عشوائية، دراجات نارية بلا لوحات، سيارات تسير بعكس الاتجاه، شاحنات لا تلتزم بأدنى شروط السلامة، وإشارات مرور لا يلتفت إليها أحد، وكأن قانون السير أصبح مجرد نص مهمل لا يجد من يطبقه.

أما الحضور الأمني، الذي يفترض أن يشكل عنصر ردع قبل أن يكون وسيلة لتنظيم السير، فيبدو في كثير من الأحيان موسميّاً أو محدوداً، فيما يغيب الانتشار الدائم للدوريات الراجلة والمتحركة في المحاور الأساسية، فتتحول الطرق إلى مساحة يفرض فيها الأقوى أو الأكثر تهوراً قواعده الخاصة.

وما يزيد المشهد قتامة، أن ثقافة القيادة نفسها أصبحت جزءاً من المشكلة. فكثيرون يتعاملون مع الطريق على أنها ملكية خاصة، لا مرفق عام. الجميع مستعجل، الجميع يريد المرور أولاً، والجميع يتصرف وكأنه “ملك الطريق”، فيما تتراجع أبسط قواعد الذوق والاحترام المتبادل لتحل محلها الشتائم، والإهانات، والإشارات المستفزة، ونوبات الغضب التي قد تتحول أحياناً إلى إشكالات أمنية.

وهكذا، تصبح النتيجة الطبيعية زحمة سير خانقة تستنزف الوقت والأعصاب والإنتاجية، وتترك انطباعاً بالغ السلبية لدى السائح الذي جاء يبحث عن بلد يستعيد عافيته، ولدى المغترب الذي عاد لقضاء إجازته بين أهله، فإذا به يواجه يومياً فوضى لا تختلف كثيراً عن الأزمات التي اعتقد أنها أصبحت خلف لبنان.

واللافت أن الدولة تنفق جهوداً كبيرة لتقديم لبنان كوجهة سياحية آمنة وجاذبة، فيما تغيب عن ملف لا يقل أهمية عن الأمن السياسي أو الأمن العسكري، وهو الأمن المروري. فصورة البلد لا يصنعها المطار وحده، ولا الفنادق والمطاعم فحسب، بل تصنعها أيضاً الطرقات، واحترام القانون، والشعور بأن هناك دولة تحمي الناس وتنظم حياتهم اليومية.

ولذلك، فإن معالجة أزمة السير لم تعد ترفاً إدارياً، ولا مجرد حملة موسمية لتحرير بعض المخالفات. إنها قرار سياسي قبل أن تكون خطة أمنية، لأنها تعني إعادة الاعتبار لهيبة القانون، وإقناع المواطن بأن احترام النظام ليس خياراً شخصياً، بل واجباً عاماً.

فلبنان الذي يسعى إلى استعادة ثقة العالم، وإقناع المستثمرين والسياح والمغتربين بالعودة إليه، لا يستطيع أن ينجح في هذه المهمة إذا بقيت طرقاته عنواناً للفوضى، وحوادثه اليومية شاهداً على غياب الدولة. فالدول تُقاس أيضاً بطريقة إدارة شوارعها، لأن الطريق هو المكان الذي يلتقي فيه المواطن بالدولة كل يوم، وهناك تحديداً تتكون الصورة الحقيقية لأي عهد وأي حكومة.

فـ “العصفورية”، التي أصبحت من الماضي وأغنية غير منسية من أغاني “الصبوحة”، حاضرة في كل شارع وعند كل مفترق طرقات، وعند كل كوع وزاروب.

هذه هي الفوضى بعينها ولا فوضى أخرى تضاهيها بكل تفاصيلها وجزئياتها ومساوئها وسلبياتها. هي عملية حرق أعصاب يومية.