8 تشرين الأول 2023.. فتح الجبهة اللبنانية
في اليوم التالي لاندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة، بدأ حزب الله إطلاق النار من جنوب لبنان باتجاه مواقع إسرائيلية، معلناً أن عملياته تأتي دعماً للفلسطينيين في غزة. وردّت إسرائيل بقصف مناطق في الجنوب.
ومنذ ذلك التاريخ، تحولت الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية إلى جبهة يومية شهدت تبادلاً للقصف والصواريخ والغارات، مع بقاء المواجهة لفترة طويلة محصورة بصورة أساسية في المناطق الحدودية. ويصنف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذه المرحلة، الممتدة من 8 تشرين الأول 2023 حتى 22 أيلول 2024، باعتبارها مرحلة “الصراع المضبوط”.
لكن هذه المرحلة لم تكن بلا كلفة. فقد بدأت موجات النزوح من القرى الحدودية، وتضررت المنازل والأراضي الزراعية والبنى التحتية، فيما توسعت رقعة القصف تدريجياً.
اغتيالات وتصعيد متدرج
خلال الأشهر الأولى، دخلت الاغتيالات النوعية على خط المواجهة. وفي كانون الثاني 2024، قُتل القيادي في حزب الله وسام طويل، قبل أن تتوسع لاحقاً دائرة الاستهدافات الإسرائيلية.
وفي 30 تموز 2024، اغتالت إسرائيل القيادي في حزب الله فؤاد شكر في غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت. وردّ الحزب في 25 آب بإطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل، في واحدة من أكبر جولات التصعيد منذ بدء المواجهة.
وكانت تلك الأحداث مؤشراً إلى أن قواعد الاشتباك التي حكمت الجبهة خلال الأشهر الأولى بدأت تتآكل بصورة متسارعة.
أيلول 2024.. اللحظة التي تغيّرت فيها الحرب
جاء التحول الأكبر في أيلول 2024.
ففي 17 أيلول، شهد لبنان انفجارات أجهزة النداء “البايجر” التي كان يستخدمها عناصر من حزب الله، وأصيب آلاف الأشخاص. وفي اليوم التالي وقعت انفجارات أخرى استهدفت أجهزة لاسلكية.
وبعد أيام، بدأت إسرائيل حملة جوية واسعة في لبنان، لتدخل الحرب مرحلة جديدة تماماً.
وفي 23 أيلول، صعّدت إسرائيل غاراتها بشكل كبير وطالت مناطق واسعة من لبنان، بعدما كانت الضربات تتركز بصورة أكبر في الجنوب. ووفق الأمم المتحدة، شكّلت الفترة بين 23 أيلول و27 تشرين الثاني 2024 مرحلة “تصعيد النزاع”، وشهدت انتقال العمليات إلى أجزاء واسعة من البلاد.
اغتيال نصرالله.. ضربة مفصلية
في 27 أيلول 2024، أعلنت إسرائيل اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله في غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت، وهو ما أكده الحزب لاحقاً.
كان اغتيال نصرالله أحد أبرز التحولات في مسار الحرب، نظراً إلى موقعه الذي شغله لأكثر من ثلاثة عقود. وبعد أيام، اغتيل أيضاً هاشم صفي الدين، الذي كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره أحد أبرز المرشحين لخلافته.
وفي 29 تشرين الأول، أعلن حزب الله انتخاب نعيم قاسم أميناً عاماً جديداً للحزب.
الأول من تشرين الأول.. دخول الحرب البرية
لم يتوقف التصعيد عند الغارات الجوية.
ففي الأول من تشرين الأول 2024، أعلنت إسرائيل بدء عمليات برية وصفتها بأنها محدودة وموضعية في جنوب لبنان، بالتزامن مع إصدار أوامر إخلاء لسكان عدد كبير من القرى والبلدات الجنوبية.
وخلال تشرين الأول وتشرين الثاني، توسعت العمليات البرية والغارات الإسرائيلية في الجنوب، فيما واصل حزب الله إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل.
ومع اتساع رقعة العمليات، وصلت الحرب إلى الضاحية الجنوبية وبيروت والبقاع ومناطق أخرى، ولم تعد محصورة في الشريط الحدودي.
27 تشرين الثاني 2024.. وقف إطلاق النار
بعد نحو 14 شهراً من المواجهة، دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 27 تشرين الثاني 2024، بوساطة أميركية وفرنسية.
ونص الاتفاق على وقف العمليات العسكرية من الجانبين، وعلى تطبيق القرار 1701، مع انتشار الجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني وانسحاب القوات الإسرائيلية تدريجياً من الأراضي اللبنانية. كما نص على ألا تكون هناك أسلحة أو قوات مسلحة في المنطقة الواقعة جنوب الليطاني باستثناء القوى الرسمية اللبنانية وفق الآلية المحددة في الاتفاق.
وفي الأيام الأولى للهدنة، بدأ آلاف النازحين بالعودة إلى بلداتهم، لكن العودة لم تكن كاملة، خصوصاً في المناطق التي بقي فيها الجيش الإسرائيلي أو التي تعرضت لدمار واسع.
هدنة.. لكن الحرب لم تنتهِ تماماً
وقف إطلاق النار لم ينهِ التوتر على الحدود.
ففي كانون الثاني 2025، أعلنت إسرائيل أنها ستبقي قواتها في بعض المواقع في جنوب لبنان بعد انتهاء مهلة الستين يوماً، معتبرة أن شروط الاتفاق لم تُنفذ بالكامل.
وفي آب 2025، مدّد مجلس الأمن الدولي ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، مع قرار ببدء خفض قواتها وانسحابها بصورة منظمة وآمنة بعد ذلك. كما أشار القرار إلى استمرار الخروقات لاتفاق وقف الأعمال العدائية، بما فيها الغارات الجوية والطائرات المسيّرة على الأراضي اللبنانية.
وبذلك تحولت المعركة من حرب مفتوحة إلى مرحلة جديدة عنوانها الأساسي تثبيت وقف إطلاق النار، وتنفيذ القرار 1701، والانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، ومستقبل سلاح حزب الله والوجود الدولي في الجنوب.
فاتورة بشرية واقتصادية ضخمة
لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية. فقد تركت آثاراً عميقة على المجتمع والاقتصاد اللبنانيين.
وبحسب دراسة أعدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع وكالات أممية أخرى، أدت الحرب إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص، وتضرر أو تدمير نحو 64 ألف مبنى، إضافة إلى أضرار واسعة طالت البنية التحتية وقطاعات التعليم والعمل والإنتاج.
أما البنك الدولي، فقد قدّر في آذار 2025 حاجات لبنان إلى التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار نتيجة الأضرار والخسائر التي خلّفها الصراع خلال الفترة الممتدة من 8 تشرين الأول 2023 إلى 20 كانون الأول.
وكان تقييم سابق للبنك الدولي قدّر الأضرار المادية المباشرة بنحو 3.4 مليارات دولار والخسائر الاقتصادية بنحو 5.1 مليارات دولار، مع تأثر النمو الاقتصادي اللبناني بصورة كبيرة.
عامان غيّرا المشهد اللبناني
بعد عامين على انطلاق الجبهة، لم تعد القضية مجرد مواجهة عسكرية بين حزب الله وإسرائيل.
الحرب أعادت طرح أسئلة أساسية حول قرار الحرب والسلم، ودور الدولة والجيش اللبناني، ومستقبل سلاح حزب الله، وتطبيق القرار 1701، ومستقبل الجنوب، والعلاقة بين لبنان والمجتمع الدولي.
كما أن الحرب تركت الجنوب أمام تحديات إعادة الإعمار وعودة السكان، فيما بات مستقبل الوجود الدولي في المنطقة مرتبطاً بقدرة الجيش اللبناني على تولي المزيد من المسؤوليات.
وهكذا، فإن مسار عامين يمكن اختصاره بثلاث محطات كبرى: جبهة محدودة بدأت في 8 تشرين الأول 2023، حرب شاملة انفجرت في أيلول 2024، ثم وقف إطلاق نار لم يُنهِ بالكامل تداعيات المواجهة.
وبحلول الذكرى الثانية، كان لبنان قد خرج من الحرب عسكرياً إلى حد كبير، لكنه بقي أمام حرب أخرى أقل صخباً: إعادة الإعمار، تثبيت الاستقرار، إعادة النازحين، واستعادة الدولة لدورها الأمني في الجنوب.
عامان من الحرب على الجبهة اللبنانية.. كيف انتقلت المواجهة من “الإسناد” إلى الحرب الشاملة؟

عامان مرّا على فتح جبهة لبنان بالتزامن مع حرب غزة، لكن المواجهة التي بدأت في 8 تشرين الأول 2023 لم تبقَ عند حدود الاشتباكات اليومية. ففي أقل من عام، انتقلت من قصف متبادل على الحدود إلى حرب واسعة طالت مناطق لبنانية عدة، وانتهت بوقف لإطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، فيما بقيت آثارها الأمنية والعسكرية والاقتصادية حاضرة خلال العام التالي.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0










اترك ردك