المقال الذي كتبه العقيد (احتياط) في الجيش الإسرائيلي أمير نوي وترجمهُ “لبنان24” يقول إن “هناك بلدان تُروى قصصها عبر الخرائط، وهناك بلدان تحتاج إلى وصفها من خلال الحنين إلى الماضي”، وتابع: “لبنان ينتمي إلى النوع الثاني، فكل من يفتح كتباً كتبها لبنانيون منفيون – من بيروت أو جبل لبنان أو طرابلس – يكاد يجد نفسه أمام صورة مزدوجة متشابهة، جنة من الجبال الخضراء تمتد إلى البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب جحيم من الانقسامات الطائفية، وتضارب الهويات، وسياسات لا تلتقي أبداً”.
واستكمل: “أشجار الأرز، تلك الأشجار العتيقة المزروعة على سفوح الجبال، ليست مجرد رمز وطني، بل هي ذاكرة تاريخية أعمق بكثير. ففي الكتاب المقدس، ذُكرت أشجار أرز لبنان كمادة خام للبناء الملكي، لا ككيان سياسي، بل كمصدر للقوة والهيبة. وهكذا، قبل وجود لبنان بزمن طويل، كان لبنان جبلًا وغابة ومادة بناء لأحلام الآخرين”.
ويكمل نوي مقاله قائلاً: “كانت زياراتي الأولى إلى لبنان في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، فيما دراستي الأكاديمية للبنان كانت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ضمن دراستي في قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة تل أبيب. هناك، وبفضل أستاذي وحاخامي الدكتور يوسي أولمرت، الذي أتقن تاريخ هذا البلد وديناميكياته السياسية المعقدة، انتابتني رغبةٌ عارمةٌ في التعمق أكثر وفهم لبنان والبحث فيه”.
وأضاف: “منذ ذلك الحين، وعلى مدى سنوات عديدة، تابعتُ – عن كثب وعن بُعد – أحداث لبنان وتقلباته. والآن، مع بدء المفاوضات بينه وبين إسرائيل، سأحاول، في سلسلة من المقالات، أن أفكّ للقارئ – وربما لنفسي أيضاً – سرّ جاذبية، بل وحب، أرض الأرز”.
وتابع: “الكيان السياسي نفسه هجين تاريخي. لقرون، خضع جبل لبنان لحكم إمارات درزية، ثم إمارات مارونية – درزية، في توازن دقيق للقوة والخوف. وفقط بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى، قام الفرنسيون – بدعم بريطاني – بتشكيل لبنان الكبير، وهو ربط مصطنع، كان مستحيلاً حتى ذلك الحين، بين جبل لبنان المسيحي الدرزي وبقاع لبنان، وبيروت السنية، والمدن الساحلية، والجنوب الشيعي”.
وأكمل: “لم تنشأ هذه الحدود من تضاريس أو ثقافة أو هوية مشتركة، بل رُسمت على طاولات رسم الخرائط من قِبل ضباط أوروبيين. خطوط مستقيمة على خريطة جبلية مجزأة، فيما بُني بلدٌ رأساً على عقب: حدود أولاً – ثم محاولة لخلق شعب”.
وأضاف: “هكذا، كانت الدولتان المولودتان في الخطيئة دولةً ذات تناقضٍ صارخ، جمالٌ آسرٌ في مواجهة بنيةٍ سياسيةٍ مستحيلة، تعددٌ في الطوائف – الموارنة، والسنة، والشيعة، والدروز – كلٌ منها مرتبطٌ بمحورٍ خارجيٍ آخر: باريس، والرياض، وطهران، ودمشق. فبدلاً من دولةٍ ذات سيادةٍ واحدة، نشأ نظامٌ هشٌ من التوازنات، حيث يُمكن لأي قرارٍ مهم أن يُؤدي إلى حربٍ أهلية”.
وأردف: “لفهم لبنان، لا بد من المرور بالمحطات الأساسية التي هزّته حتى ثمانينيات القرن الماضي. فمنذ استقلالها عام 1943، اعتمدت البلاد على الميثاق الوطني، وهو نظام طائفي هشّ قسّم السلطة بين الموارنة والسنة والشيعة. إلا أن هذا التوازن اهتزّ على مرّ السنين، ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، برزت شخصيات رئيسية سعت إلى التوفيق بين الهويات والضغوط وهي كمال جنبلاط ، المفكر اليساري الذي قاد التيار التقدمي؛ وسليمان فرنجية ، الذي مثّل التيار الماروني المحافظ؛ وإلياس سركيس، الذي حاول إعادة بناء دولة متداعية؛ وإلى جانبهم بيار الجميل، أحد مؤسسي القوة السياسية المسيحية المسلحة”.
وتابع المقال: “في سبعينيات القرن الماضي، اخترق عامل خارجي قوي هذا النظام الهش، وتمثل هذا العامل بمنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات. وبعد إخراجها من الأردن بأمر من الملك حسين في إطار أحداث أيلول الأسود، نقلت المنظمة مركز ثقلها إلى لبنان، وأقامت فعلياً دولة داخل الدولة في الجنوب وفي بيروت”.
واستكمل: “لم يقتصر تأثير تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان على تقويض سيادة الدولة فحسب، بل ساهم أيضاً في تسريع الصراع الداخلي بين الجماعات العرقية والميليشيات، وكان من بين العوامل الرئيسية في اندلاع الحرب الأهلية عام 1975. وهكذا، أصبح لبنان، حتى قبل ثمانينيات القرن العشرين، ساحة توازن دقيق – ساحة معركة مفتوحة تتشابك فيها القوى الداخلية والخارجية”.
وقال: “على الرغم من الانقسامات والتناقضات الطائفية والسياسية الداخلية، يعود المنفيون اللبنانيون، في كتاباتهم، مراراً وتكراراً إلى النقطة نفسها وهي أنّ لبنان ليس مجرد مكان، بل هو فكرة لم تتحقق، كما أنه يمثل حنيناً إلى ما كان يمكن أن يكون. لبنان أرض تحمل فيها رياح البحر عبير الصنوبر والأرز، ولكنها تحمل أيضاً صدى طلقات نارية من حروب لم تنتهِ حقاً”.
وختم المقال: “في خضم التوتر الذي يشهده لبنان منذ عامين وحتى الآن، يقف البلد مرة أخرى على مفترق طرق تاريخي، وتحديداً بين استمرار انزلاقه في محاور القوى الإقليمية ومحاولة، ربما تكون الأخيرة، لإعادة تعريف نفسه كدولة ذات سيادة وفاعلة – وليس مجرد ساحة للصراع بين الآخرين”.











اترك ردك