تراهن الإدارة الأميركية على خنق الاقتصاد الإيراني، عبر تجفيف التمويل، وتشديد العقوبات على النفط والتحويلات، لدفع طهران إلى التفاوض والقبول بشروطها. لكنّ إيران راكمت خبرة طويلة في الالتفاف على العقوبات، فيما تبقى الصين منفذًا رئيسيًّا لنفطها، ما يعقّد مهمة واشنطن.
خلف الخناق: مكاسب نفطيّة وحسابات الدين الأميركي
في قراءة أوسع لأهداف هذه السياسة، لا يقتصر الرهان الأميركي على إضعاف الاقتصاد الإيراني ودفع طهران إلى تقديم تنازلات، بل يتّصل أيضًا بحسابات اقتصاديّة أميركيّة تتجاوز حدود المواجهة مع إيران.إذ يرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الدكتور بشارة حنا، أنّ هذه السياسة مرشّحة للاستمرار لفترة طويلة، ولا تستهدف خنق الاقتصاد الإيراني فحسب، بل ترتبط أيضًا بمحاولة معالجة مشكلة الدين العام الأميركي، الذي تجاوز 40 تريليون دولار، لافتًا في حديث لـ “لبنان 24″ إلى أنّ الولايات المتحدة هي المنتج الأكبر للنفط”ومن خلال التحكّم بفارق الأسعار بين ارتفاع النفط وانخفاضه، تحقّق أرباحًا كبيرة للشركات النفطيّة الأميركيّة وللاقتصاد الأميركي وللموازنة، بما يتجاوز التريليون دولار. وبهذه الطريقة، يجري تشغيل مصانع الأسلحة، وتحقيق أرباح لشركات النفط، فضلاً عن تحصيل الضرائب منها، بما يمنح الولايات المتحدة هامشًا زمنيًّا وماليًّا أوسع، إذا أرادت القيام بعمل عسكري”.
الرهان على الصمود
تواجه إيران، بعد الحرب الأميركية، ظروفًا اقتصاديّة أكثر صعوبة، في ظل تراجع صادرات النفط، المورد الأساسي للعملات الصعبة، وتقلّص قدرة الحكومة على الإنفاق، وتفاقم الضغوط المعيشيّة. وتشير تقديرات معهد التمويل الدولي إلى أنّ التضخّم الفعلي تجاوز 80%، في حين ارتفعت أسعار المواد الغذائيّة بنحو 130% بعد إلغاء دعم النقد الأجنبي المخصص لاستيراد الغذاء والأعلاف.
ورغم حدّة هذه المؤشرات، فإنّ الاقتصاد الإيراني راكم خلال سنوات العقوبات خبرة واسعة في التكيّف مع الضغوط الاقتصاديّة والقيود المفروضة على التجارة، ما قد يحدّ من قدرة الإجراءات الأميركيّة على دفعه نحو الانهيار، أو إحداث تأثير مباشر وكبير في حياة المواطنين وفق مقاربة الدكتور حنا، مستبعدًا أن تتأثر إيران بالدرجة التي تراهن عليها الولايات المتحدة، بل قد تستفيد من هذه الظروف لتعزيز إنتاجها المحلي،بما في ذلك تطوير صناعاتها العسكريّة وإنتاج الأسلحة التي تحتاج إليها، والتعاون مع الدول التي تدعمها أو تتعامل معها.
في المقابل، يلفت حنا إلى أنّ الولايات المتحدة نفسها قد تستفيدمن خلال تحقيق عائدات تدعم الاقتصاد الأميركي وتساعد في تخفيف العجز، الذي وصل إلى مستويات قياسيّة ببلوغه نحو 40 تريليون دولار.
هل ينفجر الشارع بوجه السلطة؟
على مستوى الشارع، فإنّ الرهان على أن يؤدّي الخناق الاقتصادي إلى انفجار شعبي، يبقى مرتبطًا بقدرة الضغوط المعيشيّة على تجاوز قدرة النظام على احتوائها. في هذا السياق، يستبعد الدكتور حنا حصول اضطرابات داخلية واسعة “لقد أظهرت إيران قدرة على ضبط الشارع بالتوازي مع تكيّفها مع الضغوط الاقتصادية. كما أنّ فكرة الجهاد في سبيل الدولة الدينية لن تتأثر بسهولة، حتى لو كان هناك أشخاص يشعرون بالاستياء من الوضع الاقتصادي. وهناك مقولة مفادها أنّ الأنظمة، لكي تتمكن من ضبط الشارع، تعمل على إضعاف الطبقة الوسطى، لأنّها عادةً ما تكون الأكثر قدرة على التعبير عن الاعتراض والمطالبة بالتغيير. وهذه الطبقة في إيران انحسرت منذ زمن طويل. وهذا الأمر يشبه، إلى حدّ ما، ما حصل في لبنان، حيث أُزيلت الطبقة الوسطى من الوجود، واتسعت مساحة الهيمنة، في وقت استمر فيه الفساد”.
الصين بين واشنطن وطهران… موازنة المصالح
تتجه الأنظار إلى الدور الصيني في الحدّ من فعاليّة الخناق الأميركي على إيران، في ظل اعتماد بكين على النفط الإيراني ومصالحها الاقتصادية مع طهران، مقابل حرصها على الحفاظ على علاقاتها مع واشنطن. وفي هذا الإطار، يرى حنا أنّ قدرة الصين على موازنة مصالحها مع الطرفين تجعلها أقل تأثرًا بأيّتصعيد حول إيران “لا سيّما أنّ طهران تملك بدائل لتصدير نفطها بعيداً من مضيق هرمز، من بينها بحر قزوين، بما يسمح لها بالوصول إلى مناطق قريبة من روسيا ومن ثمّ إلى الأسواق الآسيوية، بما يجعل الصين أقل تضررًا من إغلاق المضيق. كما أنّ الاقتصاد الصيني اعتاد على التفاعل مع المواد الأوليّة المتوفرة . وللدلالة على ذلك، فإنّ احتياطيات الصين من العملات الأجنبيّة التي لم تكن تتجاوز نحو 15 مليار دولار عام 1994، أصبحت اليوم في حدود 5 إلى 6 تريليونات دولار . كما خفّضت حيازتها من سندات الخزانة الأميركيّة من نحو 1.3 تريليون دولار إلى حدود 650–680 مليار دولار تقريباً.”
وفي الوقت نفسه، تدرك بكين أهمية الحفاظ على علاقتها مع واشنطن، خصوصًا أنّ الولايات المتحدة تملك أوراق ضغط في مجالات أساسيّة، ومنها التكنولوجيا والرقائق الإلكترونيّة التي تحتاج إليها الصناعة الصينيّة. لذلك، ليس بالضرورة أن تتبنى الصين التوجه الأميركي بالكامل تجاه إيران، وفق حنا، لكنّها قد تقدّم تنازلات صغيرة ومدروسة، بما يحفظ علاقتها مع واشنطن من دون التخلّي عن مصالحها مع طهران “فهناك مصالح اقتصادية متشابكة بين القوتين، مئات الشركات الأميركية موجودة في الصين، والصين مورد أساسي للسوق الأميركيّة. فيما تستفيد الشركات الأميركية من انخفاض كلفة الإنتاج. وبالتالي، هناك تناغم في المصالح يمنع الطرفين من الذهاب بعيداً في إيذاء بعضهما، وقد تكون دول مثل إيران هي التي تتحمّل جزءًا من كلفة أيّ تفاهم أميركي–صيني”.
في المحصلة، لا يُقاس نجاح قوة “السحق الاقتصادي” بحجم الخسائر التي يُلحقها بالاقتصاد الإيراني، بل بقدرتها على تغيير حسابات طهران. فقد تكون إيران أضعف اقتصاديًّا، من دون أن يكون ذلك كافيًا لإخضاع قرارها للضغوط والأجندات الأميركيّة.











اترك ردك