مجازر تحت “سقف الهدنة”.. الجنوبيون يدفعون ثمن الصمت

لم يعد ما يجري في الجنوب يحتاج إلى توصيفات كبيرة كي يكون مفجعاً؛ المشهد وحده يكفي. قرى تُستهدف تباعاً، بيوت تُمحى من خرائط أصحابها، طرقات تتحول إلى مصائد، وعائلات تعيش تحت هدنة لا تشبه الهدنة إلا في الاسم. من السكسكية إلى كفررمان والنبطية وجبشيت والسعديات، يتقدّم الموت على نشرات الأخبار أسرع من أي موقف رسمي، فيما الناس هناك لا يطلبون أكثر من حقهم البديهي في البقاء. الفاجعة ليست في حجم الدمار وحده، بل في اعتياد العالم عليه، وفي أن الجنوب يُترك كل يوم أمام السؤال نفسه: كيف صار قتل المدنيين خبراً عادياً، وكيف صار الصمت أوسع من النار؟


فمتى أصبح الجنوب هدفاً مفتوحاً؟ ومتى أصبح قتل الأطفال أمراً عادياً؟ ومتى صار استهداف البيوت خبراً عابراً؟ ومتى أصبحت الدراجة النارية تهمة؟ ومتى صار المزارع في أرضه هدفاً؟ ومتى أصبحت المدرسة والكنيسة والجامع جزءاً من بنك أهداف؟ ومتى تحوّل الجنوب كله إلى ساحة مباحة؟ ومتى قرر العالم أن الهدنة تعني فقط أن يموت اللبنانيون بصوت منخفض؟

ما جرى اليوم في الجنوب لا يمكن وضعه في خانة “الخروقات” العادية. هذه ليست ضربة هنا وغارة هناك. نحن أمام يوم دموي كامل بدأ منذ ساعات الصباح، وامتد من القرى الحدودية إلى النبطية والساحل والشوف. العدو الإسرائيلي لم يكتفِ باستهداف نقاط محددة، بل ذهب إلى ضرب كل حركة تقريباً ضمن المناطق التي سبق أن أنذرها أو وضعها تحت النار. كأن المطلوب ليس فقط قتل من يتحرك، بل فرض قاعدة جديدة على الناس: ابقوا في بيوتكم، وإن خرجتم فأنتم أهداف.

في النبطية، استُهدف رجل وابنته على دراجة نارية. في جبشيت، استُهدف رجل كان يروي مزروعاته. وفي مناطق أخرى، توزعت الضربات بين دراجات نارية وسيارات وتحركات مدنية، في مشهد صار يتكرر بطريقة توحي أن المسألة لم تعد مرتبطة بهدف عسكري مباشر، بل بسياسة ترهيب مفتوحة. المُسيّرة لا تراقب فقط. المسيرة تحكم وتنفذ وتقرر من يبقى ومن يسقط.

وللمرة الأولى بعد وقف النار، اتسعت دائرة الاستهداف. السعديات، الجية، وملتقى النهرين دخلت على خط النار. فهذا التطور ليس تفصيلاً. حين تصل الغارات إلى الطريق الساحلي ومناطق لا تُصنَّف عادة ضمن خطوط المواجهة المباشرة، فهذا يعني أن إسرائيل توسع هامش النار، وتختبر حدود الرد اللبناني، وتقول عملياً إن وقف إطلاق النار لا يمنعها من القصف حيث تشاء ومتى تشاء.

أما السكسكية، فكانت العنوان الأكثر دموية. مجزرة جديدة أضافت أسماء إلى سجل طويل من القتل. تسعة شهداء من جبشيت قرّرت إسرائيل إنهاء حياتهم فيما كانت حصائل سابقة لوزارة الصحة قد وثقت سقوط شهداء وجرحى، بينهم أطفال ونساء، في غارات على البلدة خلال الأيام الماضية. ليست السكسكية موقعاً عسكرياً كي يحصل فيها ما حصل. هي بلدة لبنانية، فيها عائلات ونازحون وبيوت وأطفال. لكن إسرائيل تتعامل مع كل هذه التفاصيل باعتبارها زوائد في بيان عسكري، تماما كما تتعامل مع كل قرى الجنوب.

في بدياس، نجت عائلة من أحد عشر شخصاً من مجزرة محتملة. في حي البياض في النبطية، سقط ثلاثة شهداء. وفي حي المسلخ أيضاً، ارتقى ثلاثة آخرون. الحصيلة لم تعد رقماً، بل نمطاً. بيت هنا، سيارة هناك، دراجة على طريق فرعي، رجل في أرضه، عائلة في منزلها. كل ذلك يجري تحت عنوان واحد: لا مكان آمناً في الجنوب.

الأخطر أن هذا المسار يأتي في لحظة يتراجع فيها منسوب التفجيرات داخل المناطق المحتلة، في مقابل ارتفاع وتيرة الغارات والاغتيالات والمجازر داخل لبنان. من يتابع الساحة يلحظ أن إسرائيل تنتقل إلى مرحلة مختلفة. هي لا ترد فقط على حدث محدد، بل تبني معادلة نار جديدة. ومع تطور استخدام حزب الله للمسيّرات في ملاحقة آليات وأفراد الجيش الإسرائيلي وتحقيق إصابات مباشرة، تبدو الرسالة الإسرائيلية واضحة: كل إصابة في الميدان يقابلها توسيع في القصف على القرى والناس. هذه معادلة خطيرة. لأنها تنقل المواجهة من مواجهة عسكرية إلى عقاب جماعي. فحين تعجز إسرائيل عن تحمل خسائر ميدانية، تذهب إلى البيوت. حين تتعرض آلياتها للاستهداف، تقصف الطرق. حين تشعر أن المسيّرات تضغط عليها، تلاحق السيارات والدراجات والمزارعين. هذه ليست حرباً بين جيش ومسلحين فقط. هذه سياسة كسر مجتمع كامل.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: هل أصبحت كل منازل الجنوب لحزب الله؟ هل أصبحت كل المدارس لحزب الله؟ هل الكنائس والجوامع والمعابد أهداف مشروعة؟ هل كل من يركب دراجة أو يحرث أرضاً أو يسير بسيارته صار مشروع قتيل؟ هذه الأسئلة ليست انفعالاً. هذه أسئلة سياسية وأخلاقية وقانونية. لأن تحويل المدنيين إلى “احتمال عسكري” يعني عملياً إسقاط كل قواعد الحرب.

في الخلفية، نتذكر الكلام عن منطقة اقتصادية أو أمنية عازلة، قرر الرئيس الاميركي دونالد ترامب ان يطلقها.. لكن ما يجري على الأرض أخطر من أي تصريح. إسرائيل ترسم هذه المنطقة بالنار. لا تحتاج إلى إعلان رسمي إذا كانت القرى تُفرغ، والبيوت تُدمر، والناس يُدفعون إلى النزوح، والحركة اليومية تتحول إلى مغامرة قاتلة. المنطقة العازلة لا تُصنع فقط بالجرافات والأسلاك. تُصنع أيضاً بالخوف، وبالطائرات المسيّرة، وبقتل الحياة العادية.

أما الدولة اللبنانية، فهنا الجرح الثاني. الجنوب لا يُقصف فقط بالطائرات الإسرائيلية، بل يُترك أيضاً تحت سقف صمت رسمي لا يشبه حجم الدم. المطلوب من الدولة ليس إعلان حرب. المطلوب موقف. المطلوب أن تقول إن المدنيين ليسوا مادة تفاوض. أن تقول إن الهدنة لا تعني ترك إسرائيل تقتل وتنسحب من المسؤولية. أن تقول إن حماية الناس ليست بنداً مؤجلاً إلى ما بعد الاتصالات الدبلوماسية. فحين لا يصدر موقف بحجم المجازر، يشعر الجنوبي أن موته صار تفصيلاً داخلياً.
الجنوبيون يسألون:
لماذا يُقتل الأطفال؟
لماذا تُقصف البيوت؟
لماذا تتحول البلدات إلى رماد؟
لماذا يُعامل الناس وكأنهم عبء على الدولة وليسوا مواطنين فيها؟ ولماذا يطلب منهم العالم أن يصدقوا هدنة لا توقف مسيّرة، ولا تحمي منزلاً، ولا تمنع مجزرة.

ما يحصل اليوم ليس يوماً عابراً في سجل المواجهة. إنه مؤشر إلى مرحلة أشد خطورة. إسرائيل توسع الجغرافيا، ترفع منسوب الاغتيالات، وتحوّل القرى إلى صندوق ضغط مفتوح. في المقابل، لبنان الرسمي ما زال يتصرف كأن البيانات تكفي وكأن الوقت يعمل لمصلحة الناس.

الجنوب لا يحتاج إلى رثاء. يحتاج إلى موقف. يحتاج إلى دولة تتكلم باسمه لا عنه. يحتاج إلى أن يُقال بوضوح إن قتل المدنيين ليس أمراً طبيعياً، وإن تحويل القرى إلى رماد ليس تفصيلاً عسكرياً، وإن الدم الذي يسقط في السكسكية وكفررمان والنبطية وجبشيت والسعديات ليس رقماً في يوم طويل.
متى أصبح هذا طبيعياً؟
الجواب يجب أن يكون واضحاً: لم يصبح، ولن يصبح.