ومع اكتمال تشكيلة الوفد اللبناني العسكري إلى اجتماع البنتاغون، بعيدًا عن المحاصصة الطائفية يكون لبنان قد خطا خطوة متقدمة في إعداد عدّته شكلًا ومضمونًا، لاقتناعه بأهمية هذه المحادثات التي على رغم التزامها الطابع الأمني والتقني المباشر، فإنه لا يخفي ما لهذا الاجتماع من أهمية باعتباره مفصليًا، وقد ترسم فيه معادلات جديدة في المشهد اللبناني والإقليمي، وتفتح الباب أمام مرحلة مختلفة عنوانها إعادة تثبيت مرجعية الدولة. وهذا ما ورد في بيان الوفد اللبناني عقب محادثاته في 14 و15 أيار الجاري في الخارجية الأميركية، حيث شدّد على “أن الولايات المتحدة ستتولى تسهيل وتعزيز قنوات التواصل والتنسيق العسكري بين لبنان وإسرائيل بصورة استباقية، على أن تتمثل الأولوية القصوى للبنان في استعادة سلطة الدولة الكاملة على كامل الأراضي اللبنانية، بما يضمن حماية الحدود، وصون السيادة الوطنية، وتأمين سلامة المواطنين، خصوصًا أن لبنان يتفاوض من أجل مستقبل تُحترم فيه حدوده، وتُصان سيادته حصراً عبر مؤسساته الشرعية وفي مقدّمها الجيش ، ويتمكن شعبه من العيش بأمن وسلام واستقرار دائمين”.
أمّا وزارة الخارجية الأميركية فرحبت بـ “التزام الحكومتين بالعمل على إيجاد حل طويل الأمد رغم هذه التحديات المستمرة. وستواصل الولايات المتحدة دعم البلدين في تقدمهما على هذين المسارين”.
وفي انتظار ما سيرشح عن جلسة التفاوض الأمنية، باتت الدولة تدرك أنها أمام فرصة قد تكون الأخيرة لإثبات قدرتها على الإمساك بقرارها السيادي وترجمة تعهداتها إلى خطوات تنفيذية فعلية، لا الاكتفاء بعرض الخطط والالتزامات النظرية. وفي هذا السياق، تتكثف الاتصالات بين قصر بعبدا وقيادة الجيش في اليرزة لوضع اللمسات شبه النهائية على جدول الأعمال الذي سيحمله الوفد اللبناني إلى المفاوضات، ضمن سقف الثوابت الوطنية ومرتكزات قرار الدولة بحصر السلاح وبسط سيادتها الكاملة، مع استعداد كامل من قِبل قيادة الجيش لتسلم منطقة جنوب الليطاني بعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل منها، كنقطة انطلاق لتعميم التجربة على كامل الاراضي اللبنانية بحال توافر الدعم اللوجستي المطلوب لرفع جهوزية الجيش.
صيغة أمنية طويلة الأمد
لكنّ ما يلفت الانتباه في هذا المسار التفاوضي، أنّ الولايات المتحدة تبدو هذه المرّة أكثر اندفاعًا نحو إنتاج صيغة أمنية طويلة الأمد على الحدود الجنوبية، تتجاوز مجرد تثبيت وقف إطلاق النار التقليدي. فالإدارة الأميركية تدرك أنّ أي اهتزاز جديد على الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية قد يهدّد التوازنات الإقليمية الهشّة التي تحاول واشنطن حمايتها في أكثر من ساحة، من غزة إلى البحر الأحمر وصولًا إلى الملف الإيراني نفسه.
ومن هنا، فإنّ اجتماع البنتاغون لا يمكن قراءته بوصفه لقاءً تقنيًا صرفًا، بل كجزء من مسار سياسي – أمني متكامل تسعى واشنطن من خلاله إلى إعادة هندسة الواقع الحدودي في الجنوب اللبناني، بما يضمن أولًا أمن إسرائيل، وفي الوقت نفسه يمنح الدولة اللبنانية دورًا أوسع في إدارة المنطقة الجنوبية تحت سقف الشرعية الدولية.
وفي هذا الإطار، يبدو واضحًا أنّ الأميركيين يراهنون على الجيش باعتباره الجهة الوحيدة القادرة، داخليًا وخارجيًا، على لعب دور “الضامن المقبول” في المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل السعي إلى تقليص هامش أي وجود عسكري خارج إطار الدولة جنوب الليطاني. ولذلك فإنّ التركيز الأميركي على دعم الجيش، لوجستيًا وتقنيًا، لا ينفصل عن الرغبة في تحويله تدريجيًا إلى العمود الفقري للترتيبات الأمنية المقبلة.
غير أنّ المسألة بالنسبة إلى لبنان لا تتعلق فقط بتسلّم الجيش نقاطًا أو مواقع ميدانية، بل تتصل بسؤال أكثر حساسية بالنسبة إلى توافر قرار داخلي وإقليمي فعلي بالسماح للدولة اللبنانية باستعادة احتكارها الكامل للقرار الأمني والعسكري، وهل أنّ الأمر سيبقى ضمن حدود “إدارة التوازن” بين الدولة و”حزب الله” بما يمنع الانفجار الكبير من دون الوصول إلى معالجة جذرية؟
هذا السؤال تحديدًا سيكون حاضرًا بقوة، ولو من خلف الكواليس، في كل الاجتماعات المقبلة، لأنّ أي ترتيبات أمنية لا تأخذ في الاعتبار الواقع السياسي الداخلي وتعقيدات البيئة الإقليمية ستبقى معرضة للاهتزاز عند أول اختبار ميداني. فإسرائيل تريد ضمانات عملية تتجاوز النصوص، وواشنطن تريد استقرارًا مضبوطًا، فيما يسعى لبنان إلى تفادي الانزلاق نحو أثمان سياسية أو سيادية قد تُفرض عليه تحت عنوان “الاستقرار”.











اترك ردك