وسط أزمة الخليج.. هل ستنقطع المحروقات في لبنان قريبا؟

قد تبدو المسافة بعيدة بين مضيق هرمز وخط الأنابيب في السعودية وبين فاتورة مولد في لبنان،لكن انتقال الكلفة بينهما قد يكون أسرع مما يتوقعه المواطن. فالاضطراب الجديد لا يضغط على طريق واحد لنقل النفط، بل أصاب المضيق الخليجي ومسار الالتفاف حوله في الوقت نفسه.

 
وبحسب بيانات شركة “كبلر”، تراجع عدد سفن السلع المرصودة التي عبرت هرمز يوم الإثنين الماضي إلى أربع فقط، مقابل عشر في اليوم السابق، فيما كان نحو 125 سفينة تجارية كبيرة تعبر المضيق يومياً قبل اندلاع الحربفي 28 شباط. وهذه الأرقام لا تشمل السفن التي ربما عبرت بعد إطفاء أجهزة التتبع، لكنها تكشف حجم الخوف الذي يسيطر على الملاحة.
 
المشكلة أن خط الأنابيب السعودي “شرق–غرب”، الذي ينقل النفط من شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحرالأحمر متجاوزاً هرمز، خرج بدوره من الخدمة بعد هجوم بطائرات مسيّرة. ويمتد الخط لنحو 1200 كيلومتر، وتبلغ طاقته القصوى سبعة ملايين برميل يومياً، إلا أن الكميات التي كانت تعبره أخيراً تراوحت بين 2.6 ملايين وأربعة ملايين برميل يومياً.
 
ونقلت وسائل اعلام عالمية أن إصلاح الأضرار قد يستغرق بين ثلاثة وخمسة أسابيع، مع إمكان تشغيل الخط جزئياًخلال أعمال الصيانة. لكن هذه المهلة ليست إعلاناً رسمياًسعودياً، كما أن توقف خط بهذه القدرة لا يعني تلقائياً اختفاء سبعة ملايين برميل يومياً من السوق، لأن هذا الرقم يمثل طاقته القصوى وليس حجم الضخ الفعلي. 
 
هل ستنقطع المحروقات في لبنان قريبا؟

ارتفع سعر خام برنت خلال تداولات الثلاثاء إلى نحو 106 دولارات للبرميل، بعدما لامس 108 دولارات. لكن سعر البرميل وحده لا يحدد مباشرة ما سيدفعه اللبناني في المحطة. فلبنان يستورد البنزين والديزل الجاهزين، وتُبنى جداول الأسعار على متوسط أسعار هذه المشتقات وكلفةاستيرادها، لا على سعر النفط الخام وحده. وكان وزيرالطاقة جو الصدي قد أوضح في تموز أن التسعير يعتمد متوسط أسعار البنزين والديزل، مشيراً إلى أن الحرب رفعت أيضاً نفقات الشحن.

 
لذلك لن تؤدي قفزة نفطية تستمر يوماً واحداً بالضرورة إلى زيادة مماثلة وفورية في لبنان. أما إذا بقيت أسعار الديزل العالمية مرتفعة خلال الفترة التي يغطيها الاحتساب، فمن المرجح أن يظهر الأثر في جداول المحروقات المقبلة. وقد تلحق به كلفة الشحن والتأمين، ولا سيما إذا اضطر المستوردون إلى تغيير المسارات أو دفع علاوات إضافية لتغطية مخاطر الملاحة، علما ان آخر جدول لأسعار المحروقات في لبنان شهد ارتفاعا كبيرا في أسعار المازوت، حيث ارتفعت الصفيحة الواحدة 102 ألف ليرة لبنانية، دفعة واحدة، لتصل إلى  2,641,000 ل.ل.
 
أما أصحاب المولدات، فيظهر الأثر لديهم في نهاية الشهر، لأن التعرفة الرسمية للكيلوواط تُحتسب بالاستناد إلى متوسط سعر صفيحة المازوت خلال الشهر. وهذا يعني أن ارتفاعاً يستمر أياماً أو أسابيع قد ينتقل إلى فاتورةالاشتراك اللاحقة حتى لو بقيت ساعات التقنين على حالها.
 
ولا تتوقف السلسلة عند الكهرباء. فالمازوت يدخل في تشغيل الشاحنات والبرادات والمصانع والمولدات التابعةللمؤسسات والمحال التجارية. وعندما ترتفع كلفته، تزيد نفقات نقل الأغذية وحفظها وإنتاجها، لكن الزيادة لا تنتقل إلى جميع السلع بالنسبة نفسها أو في التوقيت ذاته، لأن ذلك يرتبط بحجم استهلاك الوقود والمخزون المتوافر لدى كل مؤسسة.
 
ارتفاع أسعار أم نقص في السوق؟

هنا يجب التمييز بين خطرين. الأول هو ارتفاع الأسعار،وقد بدأت مؤشراته عالمياً بالفعل، والتمسها اللبناني في الجدول الاخير الذي صدر اليوم الثلاثاء. أما الثاني فهو نقص المحروقات في لبنان، ولا يمكن تأكيده قبل معرفةحجم المخزون المحلي، ومواعيد الشحنات المقبلة، وما إذاكانت شركات الاستيراد واجهت تأخيراً أو صعوبة في التأمين والنقل.
 
وكان تقرير سابق لـ”لبنان24” قد تحدث في تموز عن شح نسبي في المازوت وتراجع في التوزيع، بالتزامن مع ارتفاع استهلاك المولدات، إلا أن مصادر القطاع أكدت حينها أن المادة لا تزال متوافرة وأن بواخر جديدة في طريقها إلى لبنان. 
 
المستجد اليوم أن الضغط لم يعد محصوراً بالتوزيع المحليأ و بزيادة الطلب، بل امتد إلى طرق نقل النفط العالمية،بالتزامن مع تراجع إنتاج عدد من المصافي الروسية للديزل. وهذا يرفع كلفة تأمين الشحنات، لكنه لا يثبت وحده وجودأزمة داخل لبنان.
 
عملياً، سيشعر المواطن بالخطر على مرحلتين: زيادة محتملة في أسعار المحروقات خلال الجداول المقبلة، ثم ارتفاع فاتورة المولد والنقل والسلع تدريجياً. أما مشهد النقص والطوابير فليس نتيجة حتمية حتى الآن، بل سيناريو يرتبط بطول تعطل الخط السعودي، واستمرار ضعف الملاحة في هرمز، وقدرة المستوردين اللبنانيين على إبقاء الشحنات في مواعيدها. وحتى تتوافر مؤشرات محلية تثبت العكس، فإن الخطر الأقرب هو محروقات أغلى، لامحروقات مفقودة.