فمنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، انصبّ الاهتمام على كيفية منع تجدد المواجهات بين إسرائيل و”حزب الله”. أما اليوم، فإن المشهد يتبدل تدريجياً نحو البحث في صياغة ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، برعاية أميركية مباشرة، تتجاوز مهمة تثبيت الهدوء إلى محاولة إعادة رسم قواعد اللعبة في الجنوب اللبناني.
ويكشف الاتفاق، إذا ما دخل حيز التنفيذ، أن الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بدور الوسيط بين الطرفين، بل باتت المرجعية الأساسية لهذا الملف. فحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مراسم التوقيع، وإعلانه أن الاتفاق يمثل “بداية البداية”، ليسا مجرد تفصيل بروتوكولي، بل رسالة واضحة بأن واشنطن قررت الإمساك المباشر بالمسار اللبناني – الإسرائيلي، بعدما كان موزعاً في السابق بين الأمم المتحدة وعدد من العواصم المؤثرة.
ولا يقل أهمية عن ذلك الحديث عن مشاركة ضباط أميركيين في مواكبة تنفيذ بعض الترتيبات الميدانية إلى جانب الجيش. فإذا صح هذا الأمر، فإنه يشير إلى انتقال الدور الأميركي من الوساطة السياسية إلى الإشراف العملي على تنفيذ التفاهمات، وهو تطور قد ينعكس لاحقاً على طبيعة مهمة “اليونيفيل” ودورها، مع اقتراب موعد التجديد لها، وربما على شكل الوجود الدولي في الجنوب برمته.
في المقابل، يبدو أن الدولة اللبنانية سعت إلى تحقيق ثلاثة أهداف أساسية من خلال هذا الاتفاق: أولًا، تثبيت مبدأ الانسحاب الإسرائيلي كهدف نهائي للمفاوضات، ثانيًا، تأكيد أن الجيش هو الجهة الشرعية الوحيدة التي ستتولى الانتشار في المناطق التي يُنسحب منها الجيش الإسرائيلي، والأهم، ثالثًا، ترسيخ مبدأ أن التفاوض يجري حصراً عبر مؤسسات الدولة، لا عبر أي جهة أخرى.
لكن الصورة، برأي بعض المتابعين، ليست بهذه البساطة. فإسرائيل، وفق ما رشح عن الاتفاق، لم تتخل عن أبرز أوراقها التفاوضية، بل ربطت أي انسحاب كامل بتحقق شروط أمنية تعتبرها أساسية، وفي مقدمها إزالة ما تصفه بـ “التهديد” الآتي من الأراضي اللبنانية. كما أنها تمسكت بالإبقاء على ما تسميه “المنطقة الأمنية”، وبحرية التحرك العسكري إذا رأت أن أمنها مهدد، وهو ما يعني أن الاتفاق لا يشكل نهاية للصراع بقدر ما يضع إطاراً لإدارته.
أما البند الأكثر حساسية، فيتعلق بمستقبل “حزب الله”، إذ أن اللافت هو أن الخطاب الرسمي اللبناني ركز على السيادة والانسحاب والجيش، فيما كان الخطاب الأميركي والإسرائيلي أكثر وضوحاً في ربط استكمال تنفيذ الاتفاق بمستقبل السلاح خارج الدولة. وهذا يعني أن ما تحقق حتى الآن قد يكون الجزء الأسهل من التفاوض، فيما يبدأ الامتحان الأصعب عندما ينتقل النقاش من خرائط الانتشار والانسحاب إلى مسألة احتكار الدولة للسلاح وقرار الحرب والسلم.
ومن هنا يمكن فهم وصف روبيو للاتفاق بأنه “بداية البداية”. فهو يدرك أن التفاهم على مبادئ عامة أسهل بكثير من تنفيذها على أرض تعيش منذ عقود على إيقاع توازنات معقدة، تتداخل فيها الحسابات اللبنانية مع المعادلات الإقليمية، ولا سيما العلاقة الأميركية – الإيرانية.
ولا يغيب عن المشهد أن نجاح هذا المسار سيبقى رهناً بعوامل تتجاوز النصوص الموقعة. فقبول أو عدم قبوله “حزب الله” بالترتيبات الجديدة، ومدى التزام إسرائيل بجدول انسحابات فعلية، وقدرة الجيش على تثبيت سلطته في المناطق التي سينتشر فيها، كلها عناصر ستحدد ما إذا كان الاتفاق سيشكل بالفعل نقطة تحوّل تاريخية، أم أنه سينضم إلى سلسلة التفاهمات التي اصطدمت لاحقاً بوقائع الميدان.
إذا كان اتفاق واشنطن قد نجح في فتح نافذة سياسية جديدة، فإنه لم يغلق بعد أبواب الأزمة اللبنانية. فما وُقّع قد يكون بداية مسار طويل، لكنه ليس نهاية الطريق. فالاختبار الحقيقي لن يكون في مراسم التوقيع ولا في البيانات الدبلوماسية، بل في قدرة الأطراف على تحويل التعهدات إلى وقائع ميدانية، وفي قدرة الدولة اللبنانية على استثمار هذا التحول لاستعادة دورها الكامل في الجنوب.
ولعل السؤال الأهم الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان لبنان وإسرائيل قد وقعا اتفاق إطار، بل ما إذا كانت واشنطن قد بدأت، عبر هذا الاتفاق، إعادة صياغة النظام الأمني والسياسي في جنوب لبنان. فإذا كان الجواب نعم، فإن ما يجري لا يقتصر على تنفيذ وقف إطلاق النار، بل يؤسس لمرحلة جديدة قد تعيد رسم التوازنات اللبنانية والإقليمية لعقود مقبلة.
وقد تكون المواقف الثابتة لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من موضع التفاوض المباشر، على رغم ما بلغه من مواقف معارضة من قِبل “الثنائي الشيعي”، قد سهّلت كثيرًا عمل الوفد اللبناني المفاوض، خصوصًا لجهة إصراره على إنجاح فكرة “المناطق التجريبية”، التي تقضي بانسحاب ممنهج للجيش الإسرائيلي من المناطق المتفق عليها تمهيدًا لانسحاب كامل يتزامن مع استعادة الدولة سلطتها الكاملة من دون نقصان على كل شبر من الأراضي اللبنانية.
“اتفاق الإطار”… هل بدأت واشنطن إعادة رسم الجنوب اللبناني؟

إذا صحّ أن ما تمّ التوصل إليه في واشنطن يشكّل بالفعل “اتفاقًا إطاريًا” بين لبنان وإسرائيل، فإن أهميته لا تكمن في بنوده التقنية بقدر ما تكمن في التحول السياسي الذي يؤسس له. فالوثيقة، بما تضمنته من مبادئ وآليات، تبدو أقرب إلى إعلان الانتقال من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة إدارة التسوية، ولو أن الطريق إلى تسوية نهائية لا يزال طويلاً وشائكاً.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0











اترك ردك