كشفت صحيفة “التايمز” البريطانية عن تفاصيل اتفاق السلام الذي تم التوصل إليه بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإيران، والذي يُعد إطاراً أولياً يهدف إلى إنهاء المواجهة العسكرية الأخيرة بين الطرفين، وفتح مرحلة تهدئة تشمل إعادة انتظام الملاحة في مضيق هرمز وتخفيفاً تدريجياً للعقوبات النفطية المفروضة على طهران.
يتألف الاتفاق من 14 بنداً تمتد على 60 يوماً، ويُفترض أن تشكل أساساً لمفاوضات أوسع، إلا أنه لا يتضمن تفاصيل تنفيذية دقيقة أو آليات إلزام واضحة، بل يترك معظم القضايا الحساسة لمراحل لاحقة.
ورغم الانفراجة السياسية والاقتصادية التي يحملها، تبقى ملفات مركزية عالقة، أبرزها البرنامج النووي الإيراني، الصواريخ الباليستية، وآليات الرقابة والتحقق، وهي نقاط خلاف لم تُحسم بعد.
وترى الصحيفة أن الاختبار الحقيقي للاتفاق لن يكون في التوقيع، بل في قدرة الجانبين على تجاوز إرث طويل من التوترات والصراعات.
جاء الاتفاق في سياق وساطة لعبت فيها باكستان دوراً أساسياً، حيث وقّعه ترامب، فيما وقّعه عن بعد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.
وينص أحد البنود على وقف دائم للأعمال العدائية، إلا أن غياب إسرائيل و”حزب الله” عن الاتفاق يترك عدداً من الساحات الإقليمية خارج أي تسوية مباشرة، ما قد يشكّل نقطة ضعف مستقبلية.
وتشير الصحيفة إلى أن واشنطن تعتبر هذا البند مرتبطاً عملياً بوقف الدعم الإيراني للفصائل المسلحة المتحالفة معها، وهو أحد أبرز أهدافها خلال مرحلة التصعيد.
في المقابل، يفتح الاتفاق الباب أمام عودة العلاقات الطبيعية تدريجياً، بما يعكس تراجع الطروحات المتعلقة بتغيير النظام الإيراني، التي كانت مطروحة خلال ذروة التوتر.
لم يتضمن الاتفاق أي معالجة مباشرة لملف الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيّرة، رغم أنها شكّلت جزءاً أساسياً من المواجهة العسكرية، إذ تؤكد طهران أن هذا الملف خارج أي نقاش تفاوضي.
كما يمنح الاتفاق مهلة 60 يوماً قابلة للتمديد للتوصل إلى صيغة نهائية، وهو ما يعكس صعوبة التوصل إلى تسوية شاملة خلال فترة قصيرة، حتى مع وجود زخم سياسي.
أما الملف النووي، فيبقى الأكثر تعقيداً، إذ يكتفي الاتفاق بتعهد عام بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، من دون تحديد آليات تحقق واضحة أو حسم مستقبل مخزون اليورانيوم المخصب، ما يجعل هذا الملف محور الخلاف الأساسي في المرحلة المقبلة.
اقتصادياً، يتضمن الاتفاق حزمة دعم تُقدّر بنحو 300 مليار دولار، إلى جانب تخفيف واسع للعقوبات يهدف إلى إعادة دمج الاقتصاد الإيراني تدريجياً في النظام المالي العالمي.
لكن الوثيقة لا توضح مصادر هذه الأموال أو آلية إدارتها، ولا ما إذا كانت مشروطة بالتزام سياسي أو أمني محدد.
كما يشمل الاتفاق الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمّدة في الخارج، والتي تُقدّر قيمتها الإجمالية بنحو 124 مليار دولار، من دون تحديد سقف واضح للمرحلة الأولى أو جدول زمني دقيق للتنفيذ.
وتشير الصحيفة إلى أن حجم التنازلات الاقتصادية المطروحة يتجاوز في بعض جوانبه اتفاق 2015 الذي وُقّع في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، ما يثير تساؤلات حول الإطار القانوني للعقوبات الدولية وإمكانية تعليقها بشكل أحادي.
ينص الاتفاق على إنشاء آلية متابعة مشتركة لمراقبة التنفيذ، إلا أن هيكليتها وصلاحياتها غير محددة بشكل دقيق، ما يترك الباب مفتوحاً أمام تفسيرات متباينة.
كما يبقى خيار إعادة فرض العقوبات أو العودة إلى التصعيد العسكري قائماً في حال عدم الالتزام، من دون وجود نظام عقوبات تفصيلي داخل نص الاتفاق نفسه.
وتبقى قضية مضيق هرمز بدورها غير محسومة بالكامل، في ظل تصريحات من رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف تؤكد أن الوضع الجديد في المضيق لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب، مع استمرار فرض رسوم على الخدمات البحرية.
وترى “التايمز” أن الاتفاق يمثل اختراقاً سياسياً أنهى المواجهة العسكرية المباشرة بين واشنطن وطهران، لكنه لا يزال إطاراً أولياً أقرب إلى إعلان تهدئة منه إلى تسوية نهائية مكتملة.
فالقضايا الجوهرية المتعلقة بالنووي، والصواريخ، والرقابة، والعقوبات، والترتيبات الأمنية الإقليمية ما زالت مفتوحة، ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة لتحديد ما إذا كان الاتفاق سيتجه نحو استقرار تدريجي طويل الأمد، أو يبقى هدنة مؤقتة قابلة للاهتزاز عند أول اختبار سياسي أو أمني.









اترك ردك