وكانت الجولة السابعة من مفاوضات روما قد كرّست صعوبة المهمة اللبنانية. فبدلاً من الانتقال إلى مناطق نموذجية جديدة، تمسكت إسرائيل باستكمال ما تسميه “التحقق الميداني” في زوطر الغربية وفرون-صريفا، رافضة توسيع نطاق التجربة ليشمل بنت جبيل والخيام وزوطر الشرقية. وبذلك، بدا أن مسار التفاوض لا يتحرك وفق قاعدة متبادلة، بل ضمن هامش تفرض فيه إسرائيل شروطها، مدعومة بموقف أميركي لم يتمكن حتى الآن من تحويل الضغوط إلى نتائج عملية.
وفي المقابل، أعاد لبنان وضع ملف الحدود البرية في صلب النقاش، مقدماً خرائط ووثائق تؤكد أن الحدود قائمة وموثقة، وأن المطلوب ليس إعادة ترسيمها، بل تثبيتها واستكمال الانسحاب الإسرائيلي. وهو طرح حظي بإشادة أميركية، في مقابل محاولة إسرائيل حصر النقاش بالنقاط الحدودية وتصحيح “الخط الأزرق”.
وتشير المعلومات إلى أن ملف الحدود يتحول إلى معركة تفاوضية تتجاوز الخطوط والخرائط، لتصبح اختباراً للسيادة اللبنانية وقدرة المفاوضات على تحويل مطلب الانسحاب من شعار سياسي إلى التزام عملي.
والأخطر، بحسب مصادر مطلعة، أن المسألة لم تعد محصورة بترتيبات أمنية أو ميدانية. فالمعادلة التي تسعى إسرائيل إلى تثبيتها، بدعم أميركي، تربط الانسحاب وإعادة الإعمار بمسار تفكيك البنية العسكرية لـحزب الله، وصولاً إلى إجراءات وتشريعات رسمية تتصل بسلاحه.
وفي الداخل، وضع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، مجلس الوزراء أمس في حصيلة تحركاته الخارجية، من واشنطن إلى أنقرة، ونتائج مفاوضات روما وما حملته من بحث في وقف إطلاق النار والحدود والأسرى والمناطق التجريبية.
وأكد عون أن لقاءه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب فتح أبواباً أمام لبنان، وأن نتائجه بدأت تُترجم عملياً، مشيراً إلى استعداد تركيا لدعم لبنان في قطاعي الطاقة والاقتصاد، والمساهمة في ملف التمديد لـ”اليونيفيل”.
وفي ملف روما، تحدث عون عن تقدم في قضيتي الحدود والأسرى، فيما تتولى واشنطن متابعة ملفي وقف إطلاق النار والمناطق التجريبية، معلناً قرب وصول الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد إلى بيروت.
محلياً، شرح عون أسباب ردّه أربعة قوانين أقرها مجلس النواب، داعياً الحكومة إلى مواصلة العمل وترجمة نتائج الانفتاح الخارجي إلى خطوات عملية، بعيداً من الحملات السياسية.
وأقرّ مجلس الوزراء سلسلة تعيينات شملت رئيس مجلس المنافسة ونائبه، ورئيس المركز التربوي للبحوث والإنماء، وأعضاء مجالس إدارة الضمان الاجتماعي والمجلس اللبناني للاعتماد ومصلحة مياه الليطاني، إضافة إلى أعضاء مؤسسة مطار بيروت.
وفي ملف مطار رفيق الحريري الدولي، طلب المجلس منع إنشاء المزارع والمسالخ ضمن شعاع خمسة كيلومترات من حرم المطار، والعمل على إقفال المنشآت القائمة، للحد من مخاطر اصطدام الطيور بالطائرات.
مالياً، وافق مجلس الوزراء على إضافة ستة رواتب إلى رواتب موظفي القطاع العام، لترتفع من 13 إلى 19 ضعفاً للراتب الأساسي، مع احتساب الفروقات بمفعول رجعي اعتباراً من آذار الماضي وصرفها على دفعات شهرية، خلافاً لرأي مجلس شورى الدولة بشأن عدم تقسيط المفعول الرجعي.
وفي ملف المحروقات، سمح المجلس للبواخر المحملة بالبنزين والراسية قبالة الشواطئ اللبنانية بدخول المرافئ وتفريغ حمولاتها، مقابل كفالات تقدمها الشركات، تفادياً لأي نقص محتمل في الأسواق.
أما ملف النفايات، فأُرجئ البت في مرسوم الرسوم الجمركية المخصص لتمويل صندوق النفايات إلى الأسبوع المقبل، بعد استكمال التشاور مع الهيئات الاقتصادية.
وإلى ذلك، يستعد مجلس النواب لعقد جلسات تشريعية يومي الثلاثاء والأربعاء في 11 و12 آب، لاستكمال جدول أعمال متراكم يتضمن ملفات شديدة الحساسية، من إلغاء عقوبة الإعدام وقانون الإعلام والعفو العام، إلى إعادة هيكلة المصارف، إضافة إلى مشروع حكومي معجل يرمي إلى رفع سن المسؤولية الجزائية للقاصرين إلى 14 عاماً.
وهكذا، يتقدم لبنان نحو الأول من أيلول على مسارين متوازيين: تفاوض خارجي يختبر قدرته على تثبيت حقوقه وحدوده، ومسار داخلي يعيد ترتيب ملفات الدولة التشريعية والاقتصادية، فيما يبقى السؤال الأبرز: هل تنجح الجولة المقبلة في نقل التفاوض من إدارة الأزمة إلى إنتاج تسوية فعلية، أم يستمر تثبيت الوقائع على الأرض بديلاً من الحلول السياسية؟











اترك ردك