بحلول 30 آب، كانت ثلاث عائلات في منطقة رأس العين قد أمضت نحو 21 يوماً تحت قيود شديدة على الحركة والوصول، بعد إغلاق مداخل منازلها في 9 آب، إثر أضرار طالتها وقطع المياه والكهرباء عنها، وفق الأمم المتحدة.
السؤال هنا لا يقتصر على ما فعله المستوطنون. السؤال الأوسع: هل يبدأ التهجير قبل مغادرة المنزل، عندما تصبح الحياة داخله شبه مستحيلة؟
وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “OCHA” قطع المياه والكهرباء عن ثلاثة منازل في رأس العين، ثم إغلاق مداخلها، ما قيّد حركة السكان ووصولهم إلى الحاجات الأساسية. وبقيت العائلات معزولة حتى 26 آب، فيما كان إيصال الطعام والمياه والأدوية يتطلب تنسيقاً إنسانياً وموافقات مسبقة.
وفي 15 آب، تعرّض عاملان كانا يعملان على إصلاح البنية التحتية لاعتداء جسدي من مستوطنين، بينما احتجزت القوات الإسرائيلية أربعة عمال كهرباء، ما عرقل حينها إصلاح الشبكة. وفي 29 آب، عاد التوتر إلى قصرة بعد هجوم مستوطنين على منزل فلسطيني، وفق “Reuters”.
لكن قصرة ليست حالة منفصلة عن أزمة أوسع. ففي شباط 2026، أشار “OCHA” إلى أن هجمات متكررة على آبار عين سامية شرق رام الله ألحقت أضراراً بالبنية التحتية وسببت انقطاعات متقطعة في مصدر مياه رئيسي يؤثر على نحو 100 ألف فلسطيني. وفي آب، وثّقت “Reuters” اتهامات فلسطينية لمستوطنين بالسيطرة على مصدر مياه في فصايل وتحويله إلى بركة لاستخدامهم.
هنا لا يبقى الماء مجرد خدمة. يصبح شرطاً للبقاء والزراعة وتربية المواشي. والكهرباء أيضاً لا تعني الإنارة فقط، بل تشغيل مضخات المياه، وحفظ الطعام، والاتصال، وتشغيل المعدات الزراعية. أما الطرق المغلقة، فتجعل الطعام غير متاح عملياً حتى لو كان موجوداً في الأسواق.
الأمر نفسه ينطبق على الأرض. فقد وثق “OCHA” تزايد القيود على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم الزراعية. وفي منطقة حلحول بمحافظة الخليل، أدت التوسعات الاستيطانية والقيود المرتبطة بها إلى الحد من وصول الفلسطينيين إلى نحو 14 ألف دونم من أصل 37 ألف دونم من أراضيهم. الأرض لا تختفي من الخريطة، لكنها تصبح أصعب وصولاً، ومعها يتراجع الدخل والإنتاج والقدرة على الصمود.
بهذا المعنى، يظهر نمط متكرر: اعتداء، ثم تعطيل خدمات، ثم تقييد حركة، ثم خسارة إنتاج أو دخل، ثم ارتفاع كلفة البقاء، وصولاً إلى دفع السكان نحو الرحيل. هذا لا يعني أن كل حادثة تثبت وجود خطة موحدة للتهجير، لكنه يطرح سؤالاً جدياً: هل تصنع هذه الضغوط المتراكمة في الضفة الغربية شروط تهجير صامت؟
وبحسب “OCHA”، سُجل بين 11 و24 آب نحو 80 هجوماً لمستوطنين أدت إلى إصابات فلسطينية أو أضرار في الممتلكات أو الاثنين معاً. كما تشير المنظمة إلى إصابة أكثر من 1040 فلسطينياً في هجمات مستوطنين منذ بداية 2026 حتى تقرير 28 آب.
التهجير التقليدي له لحظة واضحة: عائلة تغادر منزلها. لكن ما توثقه الأمم المتحدة في أجزاء من الضفة يقدم صورة أكثر تعقيداً: طرق مغلقة، أراضٍ لا يمكن الوصول إليها، مصادر مياه متضررة، كهرباء لا تُصلح بسهولة، طعام يحتاج إلى تنسيق، وخوف يومي على سلامة العائلة.
قد يبقى البيت قائماً، لكن كلفة البقاء فيه ترتفع يوماً بعد يوم. وهنا جوهر القضية: هل يبدأ التهجير عندما يترك الفلسطيني أرضه، أم عندما تصبح الحياة عليها غير قابلة للاستمرار؟
بعد 21 يوماً من القيود المفروضة على ثلاث عائلات في قصرة، لا تزال الإجابة تحتاج إلى مزيد من التوثيق والمعطيات. لكن المؤكد أن الماء والكهرباء والطعام والطرق والأرض ليست ملفات منفصلة. إنها عناصر مترابطة تحدد سؤالاً واحداً: هل يستطيع الإنسان أن يبقى على أرضه أم لا؟ (voice of emirates)











اترك ردك