لكن المشهد غير مألوف: الحزب الأغنى هو نفسه الأضعف في استطلاعات الرأي، أي أن الجمهوريين يملكون مالاً أكثر لكنهم يحظون بتأييد شعبي أقل. فشعبية ترامب تراجعت إلى نحو 30 في المئة، ويتأخر الجمهوريون، الذين يسيطرون على مجلسي النواب والشيوخ، بفارق كبير في استطلاعات الكونغرس. ويعود ذلك إلى غضب الناخبين من غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود بسبب الحرب المطولة مع إيران. ولهذا يضطر الجمهوريون إلى الإنفاق في ولايات مثل تكساس وأيوا وأوهايو، كانوا يتوقعون الاحتفاظ بها بسهولة.
من أين يأتي التفوّق المالي للجمهوريين؟
يملك الجمهوريون أموالاً أكثر من الديموقراطيين، وبالتالي يستطيعون شراء مساحات إعلانية أوسع على التلفزيون والإنترنت. ويأتي هذا التفوّق من ثلاثة مصادر:
– مجموعات “سوبر باكس”، وهي لجان مستقلة عن حملات المرشحين تستطيع جمع مبالغ غير محدودة من الأفراد الأثرياء والشركات، ومنها “ماغا إنك”، أبرز جهة داعمة لترامب، التي دخلت أيلول بنحو 416 مليون دولار.
– اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري (نحو 126 مليون دولار في نهاية آب مقابل نظيرتها الديموقراطية (نحو 17 مليوناً نقداً، مقابل ديون تتجاوز هذا المبلغ بقليل).
– ميزانية إعلانية أكبر في 8 من أصل 9 سباقات شيوخ هي الأكثر تنافساً، بحسب “أد إمباكت”.
وتبدو الفجوة الأوضح في تكساس، حيث يُتوقع أن ينفق الجمهوريون ما يصل إلى 200 مليون دولار ضد المرشح الديموقراطي جيمس تالاريكو. ويتصدر تالاريكو متوسط الاستطلاعات في ولاية فاز بها ترامب بنحو 14 نقطة في 2024، لكنه يواجه إنفاقاً جمهورياً يفوق إنفاقه بنحو خمسة أضعاف، بحسب “تكساس تريبيون”. وقال مايك مارينيلا، المتحدث باسم لجنة حملة الجمهوريين في مجلس النواب: “الجمهوريون يسيطرون على موجات البث، وديموقراطيو مجلس النواب لا يملكون القدرة المالية للرد”.
غير أن للمرشحين ميزة: تُلزم القواعد الأميركية شبكات البث ببيع المرشحين وقتاً إعلانياً بأدنى الأسعار، وهو حسم لا تستفيد منه “سوبر باكس”. وبما أن الجمهوريين يعتمدون أكثر على المجموعات الخارجية ويجمعون تبرعات مباشرة أقل، فقد يشتري الدولار الديموقراطي أحياناً وقتاً إعلانياً أكبر بكثير.
ترامب يتحرك
حسب صحيفة “واشنطن بوست”، بات ترامب أكثر انتباهاً إلى الاستطلاعات، حتى غير المواتية منها، بعدما صارحه مستشاروه بصعوبة الوضع، وكان قد اعتاد التشكيك في السلبي منها. وبينما يؤكد علناً أن قراراته المتعلقة بإيران لا تخضع لحسابات انتخابية، كشفت محادثات خاصة أنه بات يدرك أن بعضها عقّد المشهد للجمهوريين. وفي ظهور انتخابي في نورث كارولينا إلى جانب مايكل واتلي، مرشح مجلس الشيوخ، أقرّ بأن الحرب رفعت أسعار البنزين، لكنه رأى أن الكلفة مبررة.
وعملياً، وافق على خطط إنفاق من لجان العمل السياسي المتحالفة معه بنحو 140 مليون دولار، بعد مخاوف مرشحين من احتفاظه باحتياطي كبير دون توجيهه إلى السباقات التنافسية. وشاهد في المكتب البيضاوي سلسلة إعلانات وقدّم ملاحظاته على تعديلها. كما تعهد بالمشاركة في حملات 35 سباقاً تنافسياً في ولايات متأرجحة، ويخطط فريقه لتكثيف الجولات في تشرين الأول، وإن لم يُعرف عددها الفعلي. لكن جدوله القريب، من اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك ثم استقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن، سيحدّ من تحركاته.
وتتباين القراءات داخل فريقه حول مسؤوليته: أحد المطلعين يقول إنه يشعر بأن بعض قراراته أسهمت في صعوبة وضعه، وآخر يرى إشارات إلى اعتراف جزئي، بينما ينفي شخص مقرّب أنه قبل اللوم، قائلاً إنه يرى أن مشكلة الجمهوريين الكبرى غياب اسمه عن ورقة الاقتراع هذا العام.
وفي 19 أيلول، نشر ترامب على “تروث سوشال” قائمة من 25 “إنجازاً” منذ بدء ولايته، أدرج فيها وضع حدّ لاستقبال اللاجئين وتقليصاً جذرياً للقادمين من “مناطق خطرة”، وجعل الإنكليزية اللغة الرسمية للولايات المتحدة. وتحدث عن إقامة “أكثر الحدود أماناً في التاريخ”، مؤكداً أن البلاد لم تسمح خلال الأشهر الستة عشر الأخيرة بدخول أي أجنبي في وضع غير نظامي. كما قال إن واشنطن “قضت على قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم” لمنعها من امتلاك السلاح النووي، وأضاف الرسوم الجمركية المرتفعة على الشركاء التجاريين بهدف “إنعاش الصناعة الأميركية”.
هل يكفي المال؟
ترى المستشارة الديموقراطية كارولين ويلز، التي عملت سبع سنوات في اللجنة الوطنية للحزب الديموقراطي، أن “المال مهم، ولا ينبغي للديموقراطيين التقليل من شأن فارق يتجاوز 200 مليون دولار”، لكنه “لا يعيد ضبط المناخ السياسي، خصوصاً في هذه المرحلة المتأخرة”. ومع بدء التصويت المبكر في بعض الولايات، تقل فرص الإنفاق المتأخر في تغيير آراء الناخبين. وتذكّر بأن الجمهوريين تفوقوا في جمع الأموال في 2006 و2018، ومع ذلك كسب الديموقراطيون 31 مقعداً في مجلس النواب في الأولى و41 في الثانية.
ومع ذلك يخشى الديموقراطيون أن تُغرقهم الأموال الجمهورية، أي أن يعجزوا عن مجاراة حجم الإعلانات التي سيشاهدها الناخبون. ويرى الخبير الاستراتيجي مايك فاهي أن هذا التفوق قد يكون أكثر تأثيراً في السباقات المتقاربة التي لا يعرف فيها الناخبون الكثير عن المرشحين، مضيفاً أن المزاج الوطني قد يخلق فرصة، لكن سباقات المجلسين “تُحسم في النهاية مرشحاً بمرشح وسوقاً بسوق”.











اترك ردك