فباريس تتعامل مع الاجتماع باعتباره محطة أساسية لإعادة تجميع الدعم الدولي للجيش وقوى الأمن، وتقول رسميًا إن الهدف هو تقييم الوضع الأمني، والاستماع إلى حاجات المؤسستين، وتنسيق المساعدات اللازمة لتعزيز قدراتهما. كما أن فرنسا تربط مشروعها الأوسع باستعادة الدولة اللبنانية سيادتها وبحصرية السلاح. لكن خلف هذا العنوان التقني توجد حسابات سياسية أكبر، لأن الجيش الذي يجري البحث في تسليحه وتمكينه اليوم ليس الجيش نفسه الذي كان يُنظر إليه قبل سنوات باعتباره مؤسسة تحتاج إلى دعم مالي كي تبقى واقفة على قدميها؛ المطلوب منه الآن أن يكون جزءًا أساسيًا من إعادة بناء وظيفة الدولة، ولا سيما في الجنوب، حيث تتداخل مهمة الجيش مع ملف السلاح، والوجود الإسرائيلي، ومستقبل “اليونيفيل”، وترتيبات المرحلة التالية من الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي.
وهنا تدخل الولايات المتحدة على الخط، ليس بالضرورة من موقع المعارض للمؤتمر، بل من موقع الدولة التي تريد أن تعرف مسبقًا ماذا سيفعل الجيش بالمساعدة التي ستصل إليه، وأي وظيفة ستُسند إليه بعد تسليحه وتمكينه؟ فالمشاركة الأميركية المتوقعة في اجتماع باريس، إلى جانب السعودية، تعطي المؤتمر وزنًا مختلفًا، ولا سيما أن واشنطن هي أصلًا من أبرز داعمي الجيش.
وفي هذا الإطار تحديدًا تبرز عقدة “حصرية السلاح”. فواشنطن لا تبدو معنية بتمويل جيش قوي على الورق فقط، بل بجيش يستطيع أن يؤدي الوظيفة التي يفترض أن تؤديها الدولة، وهذا يعني أن مسألة السلاح غير الشرعي لن تبقى منفصلة عن مسألة التمويل والتجهيز والتدريب. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل مؤتمر باريس عن الإطار الأميركي-اللبناني الذي ينص على استعادة السيادة اللبنانية، وحصرية السلاح بيد الدولة، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
وهذا ما يجعل المؤتمر اختبارًا حقيقيًا لفرنسا أكثر مما هو مجرد مؤتمر لدعم الجيش. فباريس تحاول أن تثبت أنها لا تزال لاعبًا قادرًا على التأثير في الملف اللبناني، بعدما أصبح الدور الأميركي هو المحرك الأساسي للمسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل. وليس مصادفة أن الاجتماع يأتي في لحظة دقيقة تتداخل فيها المفاوضات مع إسرائيل، ومستقبل “اليونيفيل”، وإعادة انتشار الجيش في الجنوب، وملف حصرية السلاح.
ولذلك، فإن نجاح باريس في عقد الاجتماع ليس المشكلة، بل ماذا سيخرج منه. هل يكون مجرد لائحة احتياجات للجيش من آليات وذخائر وتجهيزات واتصالات، أم يتحول إلى خريطة طريق دولية لوظيفة المؤسسة العسكرية في المرحلة المقبلة؟ فالجيش يحتاج فعلًا إلى إمكانات كبيرة، وقد أعدّ، بحسب تقارير لبنانية، دراسة مفصلة لاحتياجاته من الأسلحة والمعدات والنقل والاتصالات والموارد البشرية. لكن الدول المانحة تريد في المقابل أن تعرف أين سينتشر هذا الجيش، وما الذي سيُطلب منه، وما هي حدود مهمته، وما إذا كان قادرًا فعلًا على الإمساك بالمساحة التي يفترض أن تنسحب منها قوى الأمر الواقع.
ومن هنا يصبح السؤال الأميركي مختلفًا عن السؤال الفرنسي. باريس تسأل: ماذا يحتاج الجيش؟ وواشنطن تسأل: ماذا سيفعل الجيش بما يحتاجه؟ وبين السؤالين يقع مستقبل المؤسسة العسكرية، وربما مستقبل الدولة اللبنانية نفسها.
فإذا كانت فرنسا تريد أن تجعل من مؤتمر باريس منصة لإعادة تثبيت حضورها في لبنان، فإن الولايات المتحدة تريد على ما يبدو أن تجعل من الدعم الدولي للجيش جزءًا من عملية أكبر عنوانها نقل الوظائف الأمنية والعسكرية تدريجيًا من القوى غير الرسمية إلى مؤسسات الدولة. وهذا يفسر حساسية الربط بين تمكين الجيش وبين حصرية السلاح، كما يفسر لماذا لا يمكن التعامل مع مؤتمر باريس باعتباره مجرد مناسبة لجمع التبرعات.
من هنا، قد يكون مؤتمر باريس واحدًا من أكثر الاجتماعات دلالة على اتجاه لبنان الجديد. فإذا حصل الجيش على التمويل من دون أن يحصل على القرار والقدرة والغطاء السياسي، فلن تتغير المعادلة كثيرًا. وإذا حصل على السلاح والعديد بينما بقيت حصرية السلاح مجرد شعار، فإن جزءًا أساسيًا من الهدف الدولي سيكون قد سقط. أما إذا ترافقت المساعدة مع قرار سياسي واضح، وانتشار فعلي، وقدرة تنفيذية، وربط بين الدعم العسكري واستعادة الدولة لقرارها، فحينها يصبح مؤتمر باريس أكثر من مؤتمر دعم.
الجيش في باريس… دعم فرنسي بشروط أميركية

فيما تضع فرنسا كل ثقلها لإنجاح الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني الذي تستضيفه باريس اليوم، يبدو أن المعركة الحقيقية لا تدور فقط حول كمية السلاح والعتاد والمال الذي سيصل إلى المؤسسة العسكرية، بل حول إشكالية حساسة للغاية تتعلق بالجهة التي تستطيع أن ترسم للجيش “وظيفته”، إذا جاز العتبير، في المرحلة المقبلة، ومن سيحدد الثمن السياسي لتوسيع قدراته؟
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0










اترك ردك