مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، بدأت الأسواق اللبنانية تشهد حركة متفاوتة بين منطقة وأخرى، وسط ظروف اقتصادية وأمنية صعبة تلقي بثقلها على المواطنين والتجار على حد سواء. يحاول اللبنانيون التمسك بأجواء العيد رغم الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، فيما يبقى السؤال الأبرز: هل لا تزال فرحة العيد حاضرة هذا العام؟ وفي جولة داخل عدد من الأسواق، بدا واضحاً أن الحركة التجارية هذا العام تختلف بشكل كبير عن الأعوام السابقة. فالإقبال موجود، لكنه خجول وحذر، إذ بات معظم المواطنين يركّزون على شراء الحاجات الأساسية فقط، بينما تراجعت بشكل ملحوظ المشتريات المرتبطة بالكماليات أو بالمظاهر الاحتفالية المعتادة في مواسم الأعياد. “أبو عمر”، صاحب محل ألبسة أكد أن الحركة “تحسّنت نسبياً مقارنة بالأسابيع الماضية، لكنها لا تزال بعيدة جداً عن مواسم الأعياد التي اعتادها اللبنانيون سابقاً”. وأوضح أن غالبية الزبائن يسألون أولاً عن الأسعار والحسومات قبل اتخاذ قرار الشراء، مشيراً إلى أن كثيراً من العائلات باتت تكتفي بشراء ملابس للأطفال فقط، فيما يؤجل الأهل شراء احتياجاتهم الشخصية بسبب الضغوط المعيشية وارتفاع الأسعار. وأضاف أن المواطنين يحاولون رغم الظروف الحفاظ على الحد الأدنى من أجواء العيد، ولو من خلال هدايا بسيطة أو شراء بعض المستلزمات الضرورية، مؤكداً أن حجم المبيعات هذا العام تراجع بشكل واضح مقارنة بالسنوات الماضية. وفي حديث مع عدد من المواطنين داخل الأسواق، عبّر كثيرون عن قلقهم من المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل استمرار التوترات الأمنية وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
إحدى السيدات قالت إنها تحاول قدر الإمكان ألا يشعر أطفالها بثقل الأزمة، لذلك تحرص على شراء بعض مستلزمات العيد ولو بميزانية محدودة، مضيفة أن “فرحة العيد لم تعد كما كانت، لكن لا يمكن حرمان الأطفال منها بالكامل”.
بدوره، أشار أبو عمر إلى أن الأسواق كانت تشهد سابقاً ازدحاماً كبيراً قبل أيام العيد، إلا أن المشهد هذا العام مختلف، إذ أصبحت الأولوية لدى معظم العائلات لتأمين الغذاء والحاجات الأساسية، فيما يتم الاستغناء عن الكثير من المصاريف الأخرى.
من جهته، رأى الخبير الاقتصادي عز الدين الموسوي أن مواسم الأعياد لم تعد قادرة على تحريك الأسواق كما في السابق، بسبب الانهيار الاقتصادي المستمر وتراجع القدرة الشرائية لدى اللبنانيين. وأوضح أن معظم العائلات تعيش اليوم تحت ضغط مالي كبير، ما يدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها والتركيز على الأساسيات فقط، مشيراً إلى أن حالة القلق والترقب من أي تطورات أمنية أو اقتصادية تنعكس مباشرة على حركة الأسواق وقرارات الشراء.
ولفت الموسوي إلى أن تداعيات الحرب الأخيرة عمّقت الأزمة الاقتصادية بشكل غير مسبوق، وخصوصاً على القطاع السياحي الذي يُعد من أكثر القطاعات الحيوية في لبنان. وأكد أن القطاع السياحي تضرر بنسبة تراوحت بين 85 و90 في المئة نتيجة تراجع أعداد الوافدين وإلغاء الحجوزات وتوقف العديد من الأنشطة المرتبطة بالموسم السياحي، ما انعكس سلباً على الفنادق والمطاعم والمؤسسات الترفيهية.
وأضاف أن القطاع التجاري بدوره تأثر بنسبة تراوحت بين 60 و80 في المئة، نتيجة تراجع الاستهلاك وضعف الحركة الشرائية، فيما سجل القطاع الصناعي تراجعاً بنحو 50 في المئة، بالتزامن مع انخفاض قيمة الصادرات اللبنانية من نحو أربعة مليارات دولار إلى قرابة مليارين ونصف مليار دولار، الأمر الذي شكّل ضربة إضافية لميزان المدفوعات والاقتصاد اللبناني بشكل عام. ورغم هذه الظروف القاسية، لا تزال بعض مظاهر العيد حاضرة في الشوارع والأسواق. فالزينة البسيطة، وروائح القهوة والحلويات، والازدحام الخفيف أمام بعض المحال، كلها تعكس تمسك اللبنانيين بعاداتهم الاجتماعية ومحاولتهم الحفاظ على مساحة صغيرة من الفرح وسط الأزمات المتلاحقة. ويؤكد كثيرون أن اللبناني، رغم الضغوط الاقتصادية والخوف من المستقبل، لا يزال يسعى إلى التمسك بالحياة وتفاصيلها البسيطة. فالعيد بالنسبة للكثير من العائلات لم يعد مناسبة للإنفاق الكبير أو الاحتفالات الواسعة، بل فرصة للاجتماع العائلي وتبادل الزيارات والشعور ببعض الدفء الإنساني في ظل الظروف الصعبة.
ومع اقتراب عيد الأضحى أكثر، تبقى الأنظار متجهة نحو حركة الأسواق في الأيام المتبقية، في وقت يأمل فيه المواطنون أن تمر المناسبة بهدوء، وأن يتمكنوا من عيش فرحة العيد ولو بإمكانات متواضعة، بعيداً عن القلق والأزمات التي ترهق حياتهم اليومية.










اترك ردك