أن يخصّص لبنان العاشر من أيلول يومًا وطنيًا للصحة النفسية والوقاية من الانتحار، بالتزامن مع اليوم العالمي للوقاية من الانتحار، خطوة متقدمة تستحق التقدير. كما يستحق الجهد الذي تبذله السيدة سحر بعاصيري سلام في الإضاءة على هذا الملف ودفعه إلى الواجهة كل الشكر.
لكن أهمية الخطوة تفرض سؤالًا يتجاوز الاحتفال بها: هل نريد يومًا وطنيًا للصحة النفسية، أم نريد سياسة وطنية للصحة النفسية؟والفارق بين الاثنين كبير.
بداية، لا بد من تصحيح مفهوم كثيرًا ما يُساء استخدامه. الصحة النفسية، وخصوصًا عندما نتحدث عن الأطفال، لا تعني المرض النفسي. إنها تعني، قبل كل شيء، العافية النفسية والاجتماعية: أن يشعر الطفل بالأمان والاستقرار والانتماء، وأن يكون قادرًا على التعلّم واللعب والتعبير وبناء العلاقات والنمو في بيئة تحمي كرامته وتمنحه الثقة بالمستقبل.
وهذا المفهوم ليس جديدًا على العمل العام في لبنان.
ففي عهد دولة الرئيس نجيب ميقاتي، أُنشئت الهيئة الوطنية للصحة النفسية في المدارس برئاسة السيدة مي ميقاتي، وكان لي شرف تنسيق أعمالها. وقد انطلقت التجربة من مقاربة بسيطة لكنها أساسية: لا يمكن أن نطالب الطفل بالتعلّم إذا لم نوفر له أولًا البيئة التي تسمح له بأن يكون آمنًا نفسيًا واجتماعيًا.
ولذلك، لم يقتصر العمل على الندوات والتوعية. بدأ ميدانيًا من مدرستين: «متوسطة علما الشعب الرسمية» في أقصى الجنوب، و«ابتدائية مي النموذجية الرسمية» في طرابلس، كنموذج أولي يمكن البناء عليه وتوسيعه.
وكانت السيدة مي ميقاتي حاضرة في الميدان، لا من بعيد، بل في قلب المكانين، إذ زارت مدرسة علما الشعب، والتقت تلامذتها وأساتذتها ومديرتها، واطلعت على ظروفهم وحاجات مدرستهم، ثم ساهمت في ترميم المدرسة وتأهيلها.

وفي طرابلس، أقامت السيدة ميقاتي توأمة بين «ابتدائية مي النموذجية الرسمية» و«مدرسة العزم»، والأخيرة مدرسة خاصة، وباتت المدرستان تقيمان نشاطات تربوية وثقافية ورياضية مشتركة، في عمل نوعي جمع بين القطاعين الرسمي والخاص، مع ما يرافق ذلك من إذابة الفوارق الطبقية والنفسية بين طلاب المدرستين.
وكان وراء ذلك مفهوم أعمق من ترميم بناء. فالمدرسة الآمنة والنظيفة واللائقة ليست مجرد جدران وصفوف؛ إنها جزء من إحساس الطفل بالكرامة والاستقرار والانتماء، أي أنها جزء من عافيته النفسية والاجتماعية.
ولم يتوقف العمل عند هاتين التجربتين. فقد تم التعاون أيضًا مع السيدة نورا جنبلاط بهدف توسيع العمل ليشمل مدارس في بيصور وراشيا والأطراف، وتم بالفعل تدريب عدد من المعلمين تمهيدًا للعمل داخل هذه المدارس على موضوع الصحة النفسية والعافية النفسية والاجتماعية للطلاب. إلا أن الحرب حالت دون استكمال العمل الميداني وتطويره كما كان مخططًا له.

كما شمل العمل متوسطة بدنايل، حيث تم تدريب عدد من المعلمين والإدارة على مفاهيم الصحة النفسية والعافية النفسية والاجتماعية، وعلى دور المدرسة في توفير بيئة أكثر أمانًا ودعمًا للطلاب. وكان من المفترض أن يتوسع العمل داخل المدرسة، إلا أن اندلاع الحرب حال، مرة أخرى، دون استكماله.
وهذه التجارب مهمة اليوم لأنها تؤكد أننا لا نبدأ من الصفر. لقد كان هناك عمل بدأ، ومعلمون وإدارات تم تدريبهم، ومدارس تم الوصول إليها، وتجربة كان يمكن توسيعها لولا أن الحرب فرضت أولويات وظروفًا مختلفة.
واليوم، بعد كل ما مرّ به لبنان، تبدو هذه المقاربة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، ولا سيما في الجنوب.
أطفال الجنوب… الامتحان الحقيقي
إذا أردنا اليوم أن نتحدث بجدية عن الصحة النفسية، فلننظر إلى أطفال الجنوب. هؤلاء عاشوا الخوف والحرب والنزوح، والانقطاع عن المدرسة، والابتعاد عن البيت والقرية، وفقدان الشعور بالاستقرار، ناهيك، في كثير من الأحيان، عن الشعور المؤلم بفقدان الأهل والإخوة والأقارب والأصدقاء بفعل الحرب على قراهم وبلداتهم ومدنهم، وبعضهم عاد إلى مدرسة أو منطقة تحمل هي نفسها آثار ما حدث.
لذلك، لا يكفي أن تسأل وزارة التربية: كم مدرسة فتحت أبوابها؟ وكم تلميذًا عاد إلى مقعده؟
السؤال التربوي الأهم هو: أي طفل عاد إلى ذلك المقعد؟
هل يشعر بالأمان؟ هل يستطيع التركيز؟ هل استعاد قدرته على التعلّم؟ هل يستطيع اللعب والتفاعل والتعبير؟ هل يعرف المعلم كيف يتعامل مع آثار الخوف والنزوح وعدم الاستقرار؟ وهل توجد منظومة تتابع العافية النفسية والاجتماعية لهؤلاء الأطفال؟
إعادة فتح المدرسة لا تعني تلقائيًا أن الطفل عاد إلى حياته الطبيعية. وإعادة التلميذ إلى الصف لا تعني بالضرورة أننا أعدناه إلى التعلّم.
وهنا تحديدًا يصبح الانتقال من الاحتفال بيوم وطني إلى بناء سياسة وطنية أمرًا ملحًا.
من الإعلان إلى المساءلة
لا خلاف على أهمية التوعية، ولا على أهمية كسر الوصمة المحيطة بالمرض النفسي وتشجيع من يحتاج إلى المساعدة على طلبها. لكن الدولة لا تستطيع أن تكتفي بالتوعية.
كنت أتمنى أن يترافق إعلان اليوم الوطني مع إعلان أكثر وضوحًا عمّا ستفعله الحكومة في اليوم التالي.
أين الخطة الوطنية للعافية النفسية والاجتماعية للأطفال في المدارس؟ أين البرنامج الخاص بالمناطق المتضررة؟ أين تدريب المعلمين؟ أين الاستعانة باختصاصيين نفسيين لمساعدة الطلاب في المدارس المنكوبة؟ أين دعم الأهل؟ أين آليات المتابعة والتدخل المبكر؟ وأين المؤشرات التي ستسمح لنا، بعد سنة أو سنتين، بأن نسأل: ماذا تغير فعلًا في حياة أطفالنا؟
وهنا تقع مسؤولية مباشرة على وزارة التربية.
فالتربية ليست كتابًا ومنهجًا وامتحانًا فقط. وإذا كانت المدرسة لا ترى الطفل بكليته، بقدراته ومخاوفه وحاجاته النفسية والاجتماعية، فإنها تكون قد عالجت جزءًا من العملية التربوية وتركت الجزء الآخر.
لذلك، فإن المطلوب من معالي وزيرة التربية اليوم أن تجعل العافية النفسية والاجتماعية جزءًا أصيلًا من السياسة التربوية، لا مشروعًا جانبيًا أو نشاطًا مرتبطًا بتمويل أو مناسبة.
وأطفال الجنوب يجب أن يكونوا نقطة البداية لأن أوضاعهم أكثر إلحاحًا، من دون أن يعني ذلك إغفال أطفال المناطق اللبنانية الأخرى، الذين يجب أن يحظوا بالاهتمام نفسه في موضوع الصحة النفسية والعافية النفسية والاجتماعية.
أما السيدة سحر بعاصيري سلام، فإن اهتمامها بهذا الملف محل تقدير، لكنني أتمنى أن يشكّل موقعها واهتمامها فرصة للذهاب أبعد: من رعاية قضية إلى الدفع نحو التزام حكومي بها، ومن إطلاق يوم وطني إلى المساهمة في ضمان سياسة وطنية مستدامة.
الذاكرة المؤسساتية ليست تفصيلًا
ويبقى لدي عتب آخر.عندما نطلق مبادرة جديدة، من حق من سبق وعمل أن يُذكر، ليس تكريمًا للأشخاص فحسب، بل حفاظًا على ذاكرة الدولة نفسها.
كان من المفيد، ونحن نحتفل بهذه الخطوة، أن نتذكر التجربة التي قادتها السيدة مي ميقاتي، وأن نستعيد عمل الهيئة الوطنية للصحة النفسية في المدارس وما بدأته في علما الشعب وطرابلس، وما امتد لاحقًا إلى التعاون مع السيدة نورا جنبلاط والعمل مع مدارس في بيصور وراشيا والأطراف، وإلى متوسطة بدنايل وتدريب معلميها وإدارتها، ثم نسأل: أين وصل هذا العمل؟ ماذا تعلمنا منه؟ وكيف نبني عليه اليوم؟
فالسياسة العامة لا تبدأ مع وصول شخص وتنتهي مع مغادرته.
والدولة التي تبدأ من الصفر مع كل حكومة لا تبني مؤسسات، بل تكرر المبادرات.
ولا يوجد أي تناقض بين أن نشكر السيدة مي ميقاتي على ما قامت به بالأمس، وأن نشكر السيدة سحر بعاصيري سلام على ما تقوم به اليوم. بل على العكس، عندما نعترف بالاستمرارية يصبح الإنجاز ملكًا للمؤسسة والدولة، لا للأشخاص.
وهذا تحديدًا ما نحتاج إليه في ملف بحجم الصحة النفسية:
أن ننتقل من المناسبة إلى السياسة، ومن المبادرة إلى المؤسسة، ومن التوعية إلى التدخل، ومن الإعلان إلى قياس النتائج والمساءلة.
ولعل أطفال الجنوب هم اليوم الاختبار الأكثر إلحاحًا لمدى جديتنا.
فهم ليسوا أطفالًا «مرضى نفسيًا»، ولا يجوز أن نتعامل معهم بهذه النظرة. إنهم أطفال تعرضت عافيتهم النفسية والاجتماعية لأذى استثنائي ومتراكم، ومن حقهم على دولتهم أن تساعدهم على استعادة ما أخذته منهم الحرب: الأمان، والاستقرار، والمدرسة، واللعب، والقدرة على التعلّم، والثقة بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
ولا يكفي أن نعيد فتح المدارس إذا لم نسأل عن الطفل الذي عاد إليها. ولا يكفي أن نرمم الجدران ونضع الكتب على المقاعد إذا بقي الخوف والقلق وعدم الاستقرار داخل الطفل نفسه. إعادة بناء المدرسة يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع إعادة بناء شعور الطفل بالأمان والانتماء والأمل.
الصحة النفسية للطفل ليست فقط غياب المرض. إنها حقه في أن يعيش طفولته بأمان وكرامة وأمل.
ومن هنا، فإن نجاح اليوم الوطني للصحة النفسية لن يُقاس بما نقوله في العاشر من أيلول، بل بما نفعله ابتداءً من الحادي عشر منه. سيُقاس بما إذا استطعنا تحويل الاهتمام إلى خطة، والخطة إلى برامج داخل المدارس، والبرامج إلى نتائج يمكن قياسها في حياة الأطفال.
وفي العاشر من أيلول المقبل، يجب ألا يكون السؤال: كيف سنحتفل باليوم الوطني؟ بل: ماذا فعلنا منذ اليوم الوطني السابق؟
كم معلمًا دُرّب؟ كم مدرسة أصبحت لديها منظومة واضحة للعافية النفسية والاجتماعية؟ كم طفلًا وصل إليه الدعم؟ وماذا فعلنا تحديدًا لأطفال الجنوب والمناطق التي دفعت الثمن الأكبر للحرب؟
عندها فقط يصبح اليوم الوطني أكثر من مناسبة، وتصبح الصحة النفسية أكثر من شعار.
فالطفل اللبناني لا يحتاج إلى يوم واحد نتحدث فيه عن صحته النفسية، بل إلى دولة وسياسة تربوية تحمي عافيته النفسية والاجتماعية في كل يوم. وهذه هي المسؤولية، وهذا هو الامتحان الحقيقي.











اترك ردك