“القوات اللبنانية” ترفع سقف المواجهة: المعركة مع “حزب الله” أولوية

تعمل “القوات اللبنانية” على رفع مستوى خطابها السياسي بشكل تدريجي، بالتوازي مع التطورات المتسارعة التي يشهدها لبنان والمنطقة. ومن الواضح أن هذا التصعيد لا يرتبط فقط بالموقف التقليدي لـ” القوات” من “حزب الله”، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إعادة التموضع في المشهد السياسي الداخلي، استعدادا للاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها الانتخابات النيابية، فضلا عن إعادة ترتيب علاقاتها مع بعض القوى الإقليمية المؤثرة في الساحة اللبنانية.

 

وبحسب هذه القراءة، تسعى “القوات اللبنانية” إلى استعادة موقعها كرأس حربة في المواجهة السياسية مع “حزب الله”، بعدما شهدت المرحلة الماضية تقدما لأطراف أخرى في هذا المجال. ولذلك، باتت مواقف “القوات” أكثر تشددا من مواقف رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، في محاولة واضحة لإظهار نفسها باعتبارها الطرف الأكثر استعدادا للذهاب بعيدا في مواجهة الحزب، حتى لو أدى ذلك إلى توترات مع السلطة السياسية نفسها.

 

لكن اللافت أن هذا التصعيد لا يستهدف “حزب الله” وحده. فثمة معركة سياسية بدأت تتشكل بين “القوات اللبنانية” ورئاسة الجمهورية، وإن كانت لا تزال محكومة بسقوف معينة. وتريد “القوات”، على ما يبدو، تقديم الرئيس عون أمام الرأي العام المسيحي باعتباره متساهلا في الملفات المرتبطة ب”الحزب”، وأن المقاربة التي يعتمدها لا تنسجم مع حجم التحولات التي شهدها لبنان والمنطقة، ولا مع ما تعتبره “القوات” فرصة تاريخية لإحداث تغيير جذري في موازين القوى الداخلية.

 

ومن هنا، يصبح التشدد في الخطاب وسيلة لإحراج رئيس الجمهورية ودفعه إلى اتخاذ مواقف أكثر حدة، أو تحميله المسؤولية السياسية عن أي تسوية قد تحصل مع “حزب الله” في المرحلة المقبلة. وهذا الأمر يكتسب أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات النيابية، حيث ترغب “القوات” في تكريس نفسها باعتبارها الطرف المسيحي الأكثر وضوحا وثباتا في مواجهة” الحزب”، في مقابل تصوير خصومها أو منافسيها على أنهم أكثر استعدادا للمساومة والتسويات.

 

غير أن البعد الداخلي ليس الوحيد الذي يحكم هذا التوجه. ف”القوات اللبنانية” تدرك أهمية العلاقة مع المملكة العربية السعودية، حيث شهدت المرحلة الماضية انفتاح المملكة على أطراف سياسية لبنانية أخرى، بعضها بات يحظى بهامش من التواصل والاهتمام لم يكن متاحا له سابقا.

 

وفي هذا السياق، يمكن فهم جزء من التصعيد “القواتي” باعتباره رسالة سياسية إلى الرياض، مفادها أن القوات لا تزال الطرف الأكثر قدرة على خوض المواجهة السياسية مع “حزب الله”، وأن أي محاولة لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية لا يمكن أن تتجاوز دورها وحضورها، خصوصا في الشارع المسيحي.

 

وتراهن “القوات”، وفق هذه المقاربة، على أن رفع مستوى المواجهة سيعيد تثبيت موقعها في الحسابات السعودية، ويمنحها أفضلية على الأطراف التي تحاول تقديم نفسها باعتبارها شريكا أكثر مرونة أو قدرة على إدارة المرحلة المقبلة.

 

لكن هذه الاستراتيجية لا تخلو من المخاطر. فالتصعيد مع رئيس الجمهورية قد يؤدي إلى توسيع الهوة بين القوات وبعبدا، في وقت لا يبدو فيه أن هناك إجماعا داخليا أو إقليميا على الذهاب نحو مواجهة مفتوحة مع “حزب الله”.

 

وعليه، فإن القوات تخوض معركة متعددة الاتجاهات: مواجهة مع الحزب، ومنافسة مع رئاسة الجمهورية على تحديد سقف الموقف السياسي، ومحاولة لاستعادة موقع متقدم في الحسابات السعودية. ويبقى السؤال الأساسي ما إذا كانت هذه السياسة ستنجح في تعزيز موقع “القوات”، أم أنها ستدفعها إلى مواجهة سياسية تتجاوز قدرتها على التحكم بنتائجها.