ففي حرب الاسناد الأولى خسر لبنان خمسة تلال استراتيجية وضعت إسرائيل يدها عليها من دون أن يقول لها أحد “ما أحلى الكحل بعينيكِ”. وفي الحرب الثانية زنّرت إسرائيل 55 بلدة وقرية جنوبية، وفي عمق عشرة كيلومترات عن حدودها الشمالية بخطّ أصفر. ولا أحد يدري عمّا يمكن أن يكون عليه الوضع الجنوبي في أي حرب ثالثة أو رابعة قد يقدم عليها “حزب الله” اسنادًا وثأرًا لما هو غير لبناني.
من هنا فإن التفاوض مع دولة تحتل ما يقدّر بخمسة في المئة من مساحة لبنان لن يكون، على حدّ وصف مصادر ديبلوماسية، عملًا سهلًا على الاطلاق، خصوصًا أن لبنان الرسمي، الذي يشترط وقف القصف الإسرائيلي كبداية سليمة لانطلاق هذه المفاوضات، ومن ثم الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من البلدات والقرى الجنوبية، التي تحتلها إسرائيل، وإعادة الأسرى والمفقودين، وإعادة الاعمار، لا قدرة له على تنفيذ ما تطالب به تل أبيب لجهة تطبيق قرار الحكومة بحصر السلاح بيد قواها الشرعية فقط دون غيرها من قوى الأمر الواقع.
غير أن المعضلة الأساسية، وفق ما تقوله مصادر متابعة، تكمن في أن “حزب الله” لا ينظر إلى مسألة التفاوض من زاوية تقنية أو إجرائية فحسب، بل من زاوية سياسية واستراتيجية تتصل بطبيعة الصراع مع إسرائيل وبصورة “الحزب” داخل بيئته ومحوره الإقليمي. ولهذا، فإن أي قبول ضمني بمبدأ التفاوض المباشر قد يُفسَّر داخل بيئته على أنه تراجع سياسي ومعنوي، وهو ما تحاول قيادة “الحزب” تفاديه في هذه المرحلة الدقيقة.
في المقابل، تبدو “بعبدا” أكثر اقتناعًا بأن المجتمع الدولي، وخصوصًا الولايات المتحدة والدول العربية المعنية بالملف اللبناني، لم يعد مستعدًا للتعاطي مع لبنان وفق القواعد السابقة، وأن أي فرصة لوقف الحرب وفتح الباب أمام إعادة الإعمار والدعم الاقتصادي ستكون مرتبطة، بشكل أو بآخر، بقدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بالقرار السياسي والأمني، والذهاب إلى تسويات واضحة وصريحة، مهما كانت كلفتها السياسية الداخلية.
من هنا، فإن المرحلة المقبلة مرشحة لأن تشهد تكثيفًا للمشاورات والاتصالات، في محاولة للبحث عن صيغة تُخفّف من وقع الانقسام الداخلي حول هذا الملف، سواء عبر اعتماد تسميات مختلفة لمسار التفاوض، أو من خلال إبقاء بعض القنوات في إطار غير معلن، بما يسمح لكل طرف بحفظ جزء من موقعه السياسي أمام جمهوره.
فلبنان يقف مجددًا اليوم أمام واحدة من أكثر محطاته دقة منذ سنوات، أي بين منطق الدولة الذي يدفع نحو تسوية تفرضها الوقائع الدولية والميدانية، ومنطق “المقاومة” الذي لا يزال يتعامل مع أي تفاوض مباشر باعتباره خطًا أحمر. وبين هذين المنطقين، يبقى الرهان على قدرة اللبنانيين، ولو في الحد الأدنى، على إدارة خلافاتهم بالحوار بدلًا من الذهاب إلى مواجهة داخلية جديدة لن يكون أحد قادرًا على ضبط تداعياتها.
لا يبدو أن عقدة التفاوض تكمن في شكله بقدر ما تكمن في مضمونه وفي الجهة التي تمتلك قرار السير به أو تعطيله. فلبنان، الذي يجد نفسه اليوم أمام استحقاق مصيري، لا يملك ترف الانقسام ولا قدرة تحمّل مغامرة جديدة، لا عسكرية ولا سياسية. وبين ضغوط الخارج وإكراهات الداخل، تبدو الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إنتاج صيغة لبنانية جامعة، لا تُقصي أحدًا ولا ترهن القرار الوطني لأي محور.
فإما أن ينجح اللبنانيون في تحويل التفاوض إلى فرصة لاستعادة الدولة ودورها وسيادتها، وإما أن يتحوّل هذا الاستحقاق إلى شرارة انقسام داخلي جديد، قد تكون كلفته هذه المرّة أعلى بكثير من كل ما سبق. وعندها، لن يكون السؤال كيف نفاوض، بل كيف نحمي ما تبقّى من وطن يتآكل على إيقاع صراعات الآخرين.












اترك ردك