هذا السياق يثير تساؤلات جوهرية حول جهود سوريا لإعادة تعريف علاقتها مع حزب الله، وفتح قنوات تواصل جديدة مع لبنان، وإدارة المرحلة الانتقالية وفق ما يقتضيه ميزان القوى الإقليمي الجديد”.
وأضاف الموقع أنه: “أرسلت القيادة السورية الجديدة رسائل إلى بيروت وبقية المنطقة بشأن طبيعة علاقاتها مع لبنان، رافضةً العودة إلى أي دور عسكري أو أمني داخل لبنان، وهو الدور الذي هيمن عليه نظام الأسد من عام 1976 حتى 2005. ومع ذلك، أشارت زيارة الشيباني إلى بيروت إلى تحول ملحوظ في نهج التعامل مع الملف اللبناني؛ وهو الاستعداد للانخراط مع حزب الله واللقاء مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري”.
كل هذا يشير إلى رغبة دمشق في تأسيس نهج مختلف تجاه الطائفة الشيعية في لبنان، بعد سنوات من الجفاء في ظل الحرب الأهلية السورية. ومنذ تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة عقب الإطاحة ببشار الأسد، تجنبت حكومته خطاب الانتقام ضد القوى التي قاتلت طويلاً إلى جانب نظام الأسد، وفي مقدمتها “حزب الله”. كما نأت دمشق بنفسها عن أي محاولة لإحياء التحالفات التي كانت قائمة قبل سقوط نظام بشار الأسد في علاقتها مع بيروت”.
وأضاف: “لقد اختارت القيادة السورية طريقاً ثالثاً يقوم على فصل إرث الحرب السورية عن متطلبات بناء الدولة، مدفوعاً بأولويات استعادة الاستقرار الداخلي، وجذب الاستثمارات، وإعادة دمج سوريا في المحيط العربي والإقليمي.
وقال الموقع: “هذا الموقف ليس مجرد رسالة للجمهور اللبناني، بل هو رسالة إلى دول المنطقة والمجتمع الدولي التي طرحت فكرة تكليف دمشق بأدوار أمنية أو سياسية ضمن تسوية محتملة في لبنان. ومع ذلك، فإن رفض سوريا التدخل في شؤون جارتها لا يعني انسحاباً كاملاً من الملف اللبناني؛ فالجغرافيا والحدود المشتركة والقضايا الأمنية والاقتصادية تجعل من الصعب على سوريا البقاء بمنأى عن أي ترتيب يخص لبنان. وبناءً على ذلك، تبنت القيادة السورية نهجاً بديلاً يقوم على الانخراط السياسي والدبلوماسي وبناء علاقات الدولة مع مختلف المكونات المجتمعية اللبنانية، مع الابتعاد عن أي مسار أمني أو عسكري قد يوحي بـ “الوصاية” التي ميزت عقوداً من العلاقات بين البلدين”.
كان اجتماع الشيباني مع بري في غاية الأهمية، ليس فقط بالنظر إلى موقع الأخير في السلطة التشريعية، بل أيضاً لكونه الشخصية الأكثر قدرة على إدارة التواصل مع الطائفة الشيعية، فضلاً عن علاقته التاريخية بحزب الله، مما جعل اجتماعهما مهماً لإعادة فتح قنوات الحوار. ومن خلال هذه الزيارة، أشارت دمشق إلى تحول في موقفها؛ فهي مستعدة لإدارة الخلافات بدلاً من إطالة أمدها، ولن ترفض التعامل مع أي طرف لبناني طالما أن هذا التعامل يخدم مصالح البلدين.
وذكر الموقع: “تأتي هذه الرسائل في ظل تحديات أمنية واستراتيجية مشتركة تواجه البلدين؛ فمثل جنوب لبنان، يخضع جنوب سوريا لاحتلال إسرائيلي مستمر ومحاولات لفرض وقائع جديدة على الأرض وفي الساحة السياسية.
وفي السياق نفسه، قال: “تندرج زيارة الشيباني إلى مدينة طرابلس شمال لبنان. فمن خلال زيارة مدينة لطالما ارتبطت بمناهضة نظام الأسد، أرسل رسالة سياسية واضحة مفادها أن “سوريا الجديدة” تمتلك قواعد دعم سياسي واجتماعي داخل مختلف المجتمعات في لبنان. وعلاوة على ذلك، أكد أن علاقة سوريا بلبنان لم تعد محصورة في الحلفاء التقليديين أو قنوات سياسية محددة، بل تتجه نحو الانخراط مع مختلف المكونات اللبنانية التي ترى في استقرار سوريا مصلحة مشتركة.
كما عكست هذه المحطة تحولاً في طبيعة الوجود السوري في لبنان؛ فدمشق تهدف إلى تأسيس نوع من النفوذ يقوم على التقارب السياسي والتعاون الاقتصادي والمصالح المتشابكة، على النقيض من النفوذ الأمني والعسكري الذي اتسم به عهد نظام الأسد حتى عام 2005″.
لقد أدركت دمشق أن المشهد الإقليمي قد تغير، وأن استقرار حدودها ومصالحها الأمنية يتطلب الانخراط مع فاعلين رئيسيين في لبنان، بغض النظر عن طبيعة علاقاتهم السابقة. وبالتالي، فإن هذا الانخراط يجسد نهجاً أكثر براغماتية تمليه اعتبارات الأمن القومي ومصالح أخرى، بدلاً من الاصطفافات الأيديولوجية أو التحالفات التقليدية”.
قد يكون من السابق لأوانه الحديث عن مصالحة كاملة بين دمشق وحزب الله، كما سيكون من المبالغة اعتبار زيارة وزير الخارجية السوري نقطة تحول نهائية في علاقتهما. ومع ذلك، كشفت زيارته عن نهج سوري جديد يقوم على إدارة التعقيدات اللبنانية من منظور الدولة لا المحاور الإقليمية، وعلى إبقاء قنوات التواصل السورية مفتوحة مع مختلف المكونات اللبنانية.









اترك ردك