خلفية القرار: تفاهم الرؤساء الثلاثة
ولان مشهد ٧ ايار لا يزال “حياً يرزق “كان لا بد من عمل سريع لتفادي تكراره ما ولّد مخرجاً نتيجة اتصالات سبقت الجلسة. فقد تحدث مصدر وزاري عن اتصالات ومشاورات بين الرئيس جوزاف عون والرئيس نبيه بري والرئيس نواف سلام، أفضت إلى توافق على كيفية مقاربة الملف داخل مجلس الوزراء وكان هدف الاتصالات واضحاً : تفادي الصدام مع “حزب الله ” في لحظة لا يحتمل فيها الداخل اللبناني مواجهة مفتوحة، فيما يشتعل الجنوب وتتواصل المفاوضات حول ترتيبات ما بعد الاتفاق الموقّع في حزيران.
ويضيف المصدر نفسه ان حسابات رئيس الجمهورية لم تكن سياسية فحسب ، وهو قال في مجلس الوزراء مبررا ارجاء القرار في انتظار المزيد من المعطيات في التحقيق ، “ان القضايا التي تُحال إلى المجلس العدلي تستغرق وقتاً طويلاً، وملف انفجار المرفأ أبرز مثال وغيره من الملفات، فيما الدولة تريد تحقيقاً جدياً يبلغ نهايته، لا ملفاً يتحوّل إلى ساحة سجال”.
وبحسب المعلومات المتداولة، التقى الرئيس عون صباح يوم الجلسة رئيس “حزب الكتائب اللبنانية”النائب سامي الجميل وعرض عليه دواعي عدم الإحالة في هذه المرحلة. وبالتوازي، شدد الرئيس سلام داخل الجلسة على أن حصرية السلاح ركن من أركان قيام الدولة، وأن مجلس الوزراء وحده يملك صلاحية إعادة النظر في قراراتها. بهذا بقي الموقف الرسمي ثابتاً في المبدأ، ومرناً في الإجراء.
ويروي المصدر الوزاري نفسه كيف سارت المناقشات في الجلسة وفق السيناريو الذي وضع ل”المخرج “رغم موقف وزراء “القوات اللبنانية ” الأكثر تشدداً وهم انسحبوا من الجلسة احتجاجاً على عدم الإحالة. وقال الوزير جو عيسى الخوري إن الجهة المعنية أعلنت نفسها، وإن قضايا سابقة أُحيلت إلى المجلس العدلي بعد يوم أو يومين من وقوعها، بينما مضت على هذه القضية ثلاثة أسابيع. إلا أن اللافت كان موقف وزير العدل عادل نصار. وهو صاحب طلب الإحالة، الذي اعترض على عدم الإحالة ولم ينسحب من الجلسة. هذا التمايز يعكس فارقاً بين من يرى في الجلسة منبراً للضغط ومن يرى فيها مؤسسة يجب الحفاظ على انتظامها . وموقف الوزير نصار اتى بعد لقاء الرئيس عون والنائب الجميل الذي تفهم موقف رئيس الجمهورية وطلب من ممثله في الحكومة “تطرية الجو” وعدم مواجهة موقف الرئيس . وقد نُقل عن الرئيس سلام وصفه تصرف وزراء “القوات”بالشعبوية ، ما اثار ردة فعل رئيسها سمير جعجع الذي تمسك بمطلب الاحالة على المجلس العدلي منتقدا ضمناً موقف وزير الكتائب .
لقد أعاد مشهد الانسحاب رسم الخريطة المألوفة. ففي جلسات سابقة حول حصرية السلاح كان وزراء “الثنائي الشيعي “هم من ينسحبون. هذه المرة انسحب من يطالبون بالتشدد، وبقي “الثنائي” في مقاعده، وهو ما يعكس حجم التفاهم الذي سبق الجلسة .
“حزب الله” : تريّث محمود وباب مفتوح للحوار؟
التطور السياسي اللافت هنا ان رد فعل “حزب الله” جاء مقبولاً، وهو ما يمكن البناء عليه، اذ رحّبت كتلة “الوفاء للمقاومة” بقرار الحكومة تأجيل الإحالة، ووصفته بتريّث “محمود ” بانتظار استكمال المعالجة في الاتجاه الصحيح. وهذه لغة مختلفة عن لغة التصعيد التي رافقت إعلان الحزب أن الشحنة تعود إليه وأنها مخصصة لمواجهة إسرائيل في موقف تراوح بين” الجرأة السياسية ” في إعلان المسؤولية ، و”الوقاحة المنفِّرة “غير المسبوقة .
ويعتقد مراقبون انه يمكن قراءة هذا الموقف على أنه فرصة. ف”الحزب” يدرك أن الإحالة كانت ستُفهم كإقرار بأن أعماله خارجة عن القانون، وقد جنّبته التسوية هذا المأزق. وإذا أحسن الطرفان استثمار اللحظة، فقد تمهّد لحوار مباشر بين الحزب والرئيس عون حول مصير السلاح وآليات تسليمه والضمانات المتبادلة. لكن ذلك مشروط بألا يفسّر الحزب التريّث ضعفاً، وبألا تتحوّل التسوية إلى غطاء لإعادة المتفجرات أو لطيّ الملف كما كان يحصل في مرحلة ما قبل حرب إسناد غزة وحرب إسناد ايران .
واشنطن: ردة فعل سلبية متوقعة
في المقابل، يتخوف الكثيرون في السلطة من أن يقابل الجانب الأميركي القرار بقدر من الاستياء. فقبل أيام فقط، وصف وزير الخارجية ماركو روبيو، في اتصال بالرئيس عون، إعادة المتفجرات إلى “حزب الله” بأنها أمر يجب ألا يكون مطروحاً، وحثّ على محاسبة من أمر بالشحنة ومولها وأدارها ، داعياً أيضاً إلى تواصل عسكري مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي لفض النزاعات في الجنوب بعدما دخل ” اتفاق الاطار” في غيبوبة .
وبدا ان الرسالة الأميركية إذن واضحة: أي ليونة تجاه هذه القضية ستُقرأ في واشنطن كتراجع. وقد أكد الرئيس عون في ذلك الاتصال أن لا تساهل في الملف وأن لا أحد يستطيع الضغط على القضاء. وبوسع لبنان أن يدافع عن موقفه بأن التحقيقات مستمرة وتتوسّع، وأن باب الإحالة لم يُغلق. لكن هذه الحجة تحتاج إلى وقائع ملموسة، من توقيفات إلى استجوابات إلى نتائج معلنة، لتقنع من يقيس الجدية بالأفعال.
إسرائيل: هاجس التراجع عن حصرية السلاح
أما الهاجس الأكثر قلقاً بالنسبة إلى السلطة اللبنانية فهو الموقف الإسرائيلي. فقد تقرأ تل أبيب القرار على أنه تراجع من الرئيس عون والحكومة عن الالتزام بقرارات حصرية السلاح، وتوظفه ذريعة لتشديد الضغط العسكري. والقلق يزداد في ظل ما يُتداول عن ضربة واسعة تلوّح بها إسرائيل وعن فشل مفاوضات تامبا في تحقيق اي تقدم يفعّل ما تم الاتفاق عليه بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية .
والرد على هذا الخطر لا يكون بالبيانات وحدها، بل المطلوب إثبات أن الدولة ماضية في تنفيذ القرارات، عبر نشاط الجيش الميداني وضبط الشحنات ومتابعة التحقيق حتى نهايته. فالرئيس سلام ذكّر في الجلسة بأن تخزين السلاح أو نقله من غير الجهات الشرعية يشكل خطراً على السلامة العامة، وهذا الموقف المعلن هو السند الذي يمكن للدولة الاحتجاج به ، وان كان البعض يعتبره شعارات يكررها رئيس الحكومة لامتصاص ردات فعل الرأي العام المناهض ل”المقاومة” الذي يشعر بالخيبة من عدم وفاء الحكم بالتزاماته المعلنة في خطاب القسم والبيان الوزاري وقرارات مجلس الوزراء !
فرصة مشروطة
في ضوء ما تقدم ، هل يفتح قرار مجلس الوزراء الباب لمناخ إيجابي بين الحكم والمقاومة، أم يكون مدخلاً لاستياء المناهضين للحزب في لبنان والخارج؟ الجواب أن الاحتمالين قائمان، والفيصل هو ما يلي القرار.
فإذا ترجمت الدولة التسوية بتحقيق جدي ومعلن ومسار واضح لحصرية السلاح، وبادر “حزب الله” إلى حوار حقيقي مع رئيس الجمهورية، فقد يتحول التريّث إلى مدخل لتهدئة داخلية تحمي الاستقرار. أما إذا ظلّ الملف معلّقاً بلا نتائج، فسيتسع الاستياء لدى القوى المناهضة للحزب، وتتزايد الضغوط الأميركية، ويجد الإسرائيلي في ذلك ما يبحث عنه.
ولا يختلف اثنان على ان الحكومة اشترت الوقت، والوقت في لبنان رصيد قصير الأجل. وقيمة هذه التسوية ستُقاس بما تنجزه الدولة خلاله …كل ذلك فيما الخوف من تجدد الحرب مع ايران يقض مضاجع أركان السلطة الخائفين من دخول متجدد ل”حزب الله ” في حرب إسناد ثالثة ستسقط كل الضوابط والتفاهمات لان إسرائيل ابلغت لبنان رسمياً ان اي مغامرة جديدة يقوم بها “الحزب”سوف تفتح ” نار جهنم “من جديد على لبنان . فهل تدرك المقاومة ان قرار مجلس الوزراء يمكن ان يطفىء هذه ” النار” إذا ما تم استثماره ايجاباً لاطلاق حوار بدلا من اطلاق حرب ؟










اترك ردك