وأشار التقرير الّذي ترجمه “لبنان 24″، إلى أن إيران شكّلت على مدى نحو خمسة عقود تحديًا متواصلًا أمام الإدارات الأميركية المتعاقبة، من أزمة الرهائن عام 1979، مرورًا بفضيحة “إيران-كونترا” خلال عهد الرئيس رونالد ريغان، وصولًا إلى الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة باراك أوباما مع طهران عام 2015. ومع تولي ترامب زمام الأمور، سعى إلى وضع حد لهذا المسار عبر اعتماد القوة العسكرية والتهديد بتغيير النظام الإيراني.
لكن، بحسب المجلة، وبعد مرور أشهر على الحرب، تجد إدارة ترامب نفسها أمام مأزق جديد، بعدما لم تؤدِّ الضربات العسكرية إلى تحقيق الهدف السياسي المعلن، فيما باتت واشنطن تحاول تكثيف الضغط الاقتصادي على طهران. وترى المجلة أن هذا المسار قد يضر بمصداقية الولايات المتحدة أكثر مما يلحق الضرر بالاقتصاد الإيراني.
إيران لم تستجب للضغط كما توقعت واشنطن
وتلفت المجلة إلى أن السياسة الأميركية تجاه إيران قامت لعقود على ركيزتين أساسيتين: التهديد العسكري والعقوبات الاقتصادية. إلا أن هذه المقاربة لم تنجح في تغيير سلوك النظام الإيراني بصورة جوهرية، بل دفعت طهران إلى تطوير وسائل للتكيف مع الضغوط وتعزيز قدرتها على تحمل العقوبات والمواجهة.
وبحسب التقرير، فإن إيران أثبتت خلال الحرب الأخيرة قدرتها على امتصاص ضربات عسكرية شديدة، رغم الخسائر التي لحقت بقيادتها وبنيتها التحتية، مع احتفاظها بقدرات صاروخية وطائرات مسيّرة تسمح لها بالرد وتهديد حركة الملاحة، ولا سيما في مضيق هرمز.
كما أظهرت الحرب، وفق المجلة، أن الولايات المتحدة لا تبدو مستعدة لتحمل كلفة إرسال قوات برية إلى الأراضي الإيرانية، الأمر الذي يحد من قدرة واشنطن على تحقيق تغيير في النظام من خلال الضربات الجوية وحدها. وترى المجلة أن طهران خلصت إلى أن الولايات المتحدة قد تملك القدرة على إلحاق أضرار عسكرية كبيرة بها، لكنها لا تملك بالضرورة الإرادة السياسية أو العسكرية لخوض حرب برية شاملة.
وتشير المجلة إلى أن أحد أهم الدروس التي خرجت بها إيران من الحرب هو أن عامل الوقت قد يكون في مصلحتها. فطهران، بحسب التحليل، مستعدة لتحمل مستوى من الأضرار الاقتصادية والاجتماعية لا يبدو أن الرأي العام الأميركي مستعد لتحمله في حرب طويلة ومكلفة.
وتزداد أهمية هذا العامل مع تأثير الحرب على أسعار الطاقة وحركة التجارة العالمية، إذ إن كل تهديد أميركي جديد بالتصعيد قد يترتب عليه ارتفاع في أسعار النفط واضطراب في الأسواق، ما يضع ضغوطًا إضافية على إدارة ترامب.
وتعتبر المجلة أن هذا الواقع أضعف تدريجيًا مصداقية التهديدات العسكرية الأميركية، لأن طهران باتت تدرك أن واشنطن قد تتردد في المضي نحو مستويات أعلى من التصعيد إذا انعكست كلفة الحرب بصورة مباشرة على الاقتصاد الأميركي والمستهلكين.
العقوبات.. سلاح قد يفقد فعاليته
أما على المستوى الاقتصادي، فتوضح المجلة أن العقوبات الأميركية ألحقت أضرارًا حقيقية بالاقتصاد الإيراني، ولا سيما تلك التي استهدفت صادرات النفط، لكنها لم تنجح بصورة متكررة في تحقيق التحولات السياسية التي فُرضت من أجلها.
وتشير إلى أن إدارة ترامب الأولى جعلت من سياسة “الضغط الأقصى” أداة أساسية لدفع إيران نحو اتفاق نووي جديد، لكن عندما لم يتحقق الاتفاق، تحولت العقوبات تدريجيًا من وسيلة للضغط والتفاوض إلى سياسة قائمة بذاتها.
وفي المرحلة الحالية، تصعّد واشنطن الضغط الاقتصادي بصورة أكبر، بما في ذلك من خلال إجراءات تستهدف الموانئ الإيرانية، لكن طهران تملك بدورها أدوات للرد وفرض كلفة اقتصادية على الولايات المتحدة وحلفائها، خصوصًا عبر مضيق هرمز والمنشآت المرتبطة بالطاقة في الخليج.
وتخلص المجلة إلى أن المفارقة تكمن في أن الحرب التي كان يفترض أن تعزز أدوات الضغط الأميركية على إيران قد تكون أضعفتها. فبدل أن تؤدي الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى انهيار قدرة طهران على المقاومة، دفعتها إلى اختبار حدود ما تستطيع الولايات المتحدة تحمله سياسيًا واقتصاديًا، وبالتالي، فإن استمرار النهج نفسه قد لا يقود إلى استسلام إيران، بل إلى حرب استنزاف طويلة تتبادل خلالها واشنطن وطهران الضغوط والتكاليف، فيما تتراجع فرص التوصل إلى تسوية مستقرة.
وترى المجلة أن التطورات الحالية قد تدفع الإدارات الأميركية المقبلة إلى إعادة النظر في النهج الذي اتبعته واشنطن طوال العقود الماضية، خصوصًا أن الاعتماد المستمر على العقوبات والتهديد العسكري لم يتمكن من حل المعضلة الإيرانية، وقد يكون قد جعلها أكثر تعقيدًا.









اترك ردك