كشف تقرير لصحيفة “يديعوت أحرونوت” أن الجيش الإسرائيلي يواجه أزمة مالية خطيرة، تتمثل في نقص يقدَّر بنحو 40 مليار شيكل، يحتاجها لتسيير شؤونه الجارية وإعادة بناء قوته، في واحدة من أكثر الفترات الأمنية حساسية بالنسبة إلى إسرائيل منذ سنوات.
وبحسب التقرير، فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش اضطرا إلى إرسال رئيس شعبة التخطيط في الجيش، وهو لواء بالزي العسكري، لإقناع زعيم المعارضة يائير لابيد بحجم الضائقة المالية التي يواجهها الجيش. والسبب أن إسرائيل دخلت فترة انتخابات، ما يجعل تمرير خطوات مالية بهذا الحجم صعباً من دون موافقة المعارضة.
لكن الصحيفة ترى أن المشكلة لا تبدأ الآن. فخلال السنة الأخيرة، حذّر الجيش مراراً من أزمة حادة وخطيرة في ميزانية المؤسسة الأمنية، ناجمة عن فجوة عميقة بعشرات مليارات الشواكل يحتاجها الجيش بصورة عاجلة.
ويدخل الجيش الإسرائيلي قريباً عامه الرابع من الحرب، وسط استنزاف كبير في المخزونات والمنظومات والقوى البشرية. وفي المقابل، تقف أمامه جبهات متعددة، من إيران إلى حزب الله وحماس وسوريا واليمن، وكل جبهة منها تتطلب قدرات مختلفة. كما أن إسرائيل، بحسب التقرير، لا تستطيع افتراض أن كل جبهة ستُفتح وحدها، بل عليها الاحتفاظ بقدرة مواجهة حرب متعددة الساحات.
وتقول أوساط أمنية إسرائيلية إن الفجوات في بناء القوة أصبحت كبيرة جداً، وإن بعضها يتعلق بمخزون الذخائر والصواريخ، وبعضها الآخر بقدرات الإنتاج وخطط الشراء. والخلاصة، وفق التقرير، أن الجيش واصل القتال لسنوات، لكنه خلال الحرب “استهلك مستقبله”.
ولا تقتصر الأزمة على الأرقام. فهي تظهر أولاً في نقص خطير بالذخائر والحاجة إلى ملء المخازن التي فرغت خلال القتال الطويل. كما تحذر المؤسسة الأمنية من خطر توقف خطوط إنتاج في شركات أمنية إسرائيلية بسبب غياب ميزانية منظمة، في وقت يُطلب فيه من الجيش إعادة بناء قوته والاستعداد للجولة المقبلة.
وتزداد أهمية الخلاف المالي في ظل الحديث عن خطة التعاظم التي طرحها نتنياهو، بقيمة تصل إلى نحو 350 مليار شيكل على مدى عشر سنوات. ففي وزارة المالية، حذّروا من حجم الخطة، فيما تقول المؤسسة الأمنية إن الأموال التي وصلت حتى الآن خُصصت أساساً للحاجات الجارية وإدارة الحرب، ولم تغلق الفجوات التي تراكمت في بناء القوة.
وتشير الصحيفة إلى أن الأزمة تعمقت أيضاً بسبب المواجهة المستمرة بين الجيش ووزارة المالية. ففي المؤسسة الأمنية شعور بأن وزارة المالية تستغل عدم قدرة الجيش على كشف كامل احتياجاته علناً، ما يزيد صعوبة إعادة بناء القوة في مواجهة التهديدات المتعددة.
ولم تكن التحذيرات معزولة. فقد وضع رئيس الأركان ونائبه أمام المستوى السياسي إنذارات واضحة بشأن الوضع المالي للجيش والثمن الأمني لعدم سد الفجوات. كما حذّر اللواء تمير يدعي، في وثيقة أخيرة، من أن الإجراءات التي اتخذها الجيش حتى الآن للتعامل مع النقص “تؤدي إلى ضرر حقيقي في القدرة على الحفاظ على استقرار الجيش اليوم”. وسبق لرئيس الأركان أن قال بوضوح إن “الصندوق فارغ”.
وتعني هذه التحذيرات عملياً تقليص عمليات العودة إلى الجهوزية، وحصر موارد بناء القوة بالحاجات العملياتية الأساسية، وتأجيل خطط التعاظم بعيدة المدى، وتأخير استثمارات في بنى تحتية ومشاريع يفترض أن تخدم مفهوم الدفاع الجديد للجيش على خطوط الانتشار.
وبحسب التقرير، فهم نتنياهو وسموتريتش في النهاية ضرورة تحويل أموال إضافية للجيش، لكن الفهم جاء متأخراً. فتمرير 40 مليار شيكل يحتاج إلى تعديل في الإطار المالي وتشريع في الكنيست، وإذا لم يحصل ذلك الآن، فقد يضطر الجيش إلى الانتظار حتى ما بعد الانتخابات وتشكيل الحكومة المقبلة، وهي عملية قد تستغرق نحو نصف سنة.
ورد لابيد بأنه يؤيد تحويل الأموال للجيش، لكنه رفض أن يكون مصدرها زيادة الضرائب على الطبقة الوسطى وجنود الاحتياط. وقال إنه سيدعم الاقتراح إذا تضمن إلغاء “الأموال الائتلافية الفاسدة” وعشرات مليارات الشواكل التي قال إنها تُحوّل لتمويل التهرب من الخدمة العسكرية لدى الحريديم.
في المقابل، اتهم حزب “الليكود” لابيد بأنه يضلل الجمهور في ملف ميزانية الأمن، مؤكداً أن زيادة ميزانية الجيش ممكنة من دون رفع الضرائب. كما دعا وزير الدفاع يسرائيل كاتس لابيد إلى دعم طلب الجيش، قائلاً إن الواقع الإقليمي لا يسمح بالانتظار، وإن الأموال المطلوبة موجودة في خزينة وزارة المالية لكنها تحتاج إلى تشريع رسمي في الكنيست.
أما غادي آيزنكوت، رئيس حزب “يشَر”، فدعم موقف لابيد، معتبراً أنه حتى خلال أصعب حرب في تاريخ إسرائيل، يحذر الجيش من فجوات في الذخائر والقوى البشرية والميزانية من دون أن يحصل على رد كافٍ. وقال إن الحكومة، إذا أرادت حلاً فعلياً، تستطيع وقف الأموال الائتلافية وتحويل الموارد إلى الجيش.
وتخلص “يديعوت أحرونوت” إلى أن الجيش لم يكتشف الآن حاجته إلى المال. فالتحذيرات وُضعت على طاولة المستوى السياسي منذ أشهر: المخازن تفرغ، الصندوق يضعف، والنقص يمس قدرة الجيش على إعادة بناء قوته. والسؤال لم يعد فقط عن 40 مليار شيكل، بل عمّا إذا كانت إسرائيل مستعدة فعلاً لتمويل الجيش الذي تحتاجه بعد 3 سنوات من الحرب، أم أنها ستواصل إدارة الأمن بالحلول المؤقتة وتأجيل القرارات الصعبة.










اترك ردك