حزمة العقوبات الـ20 للاتحاد الأوروبي: هل الدول الثالثة في مرمى النيران؟

تفتح الحزمة العشرون من العقوبات الأوروبية على روسيا فصلاً جديداً في سياسة الضغط على موسكو، لا لأنها توسّع القيود على المجمع العسكري والصناعي وقطاع الطاقة والنظام المالي وناقلات “أسطول الظل” فحسب، بل لأنها تقدّم للمرة الأولى أداة تسمح للاتحاد الأوروبي بوقف توريد السلع الخاضعة للعقوبات ليس إلى روسيا مباشرة فقط، بل أيضاً إلى أي دولة ثالثة تُستخدم بشكل منهجي للالتفاف على هذه القيود.


وبحسب موقع Riddle، كانت قرغيزستان أول دولة تشعر بثقل هذه المقاربة الجديدة، بعدما حظرت بروكسل تصدير آلات التحكم الرقمي ومعدات نقل البيانات إليها، بما في ذلك المفاتيح وأجهزة التوجيه، وهي معدات تعدّها أوروبا أساسية للصناعة الدفاعية الروسية. وترى مؤسسات الاتحاد الأوروبي أن هذه السلع يُرجح بدرجة عالية إعادة تصديرها إلى روسيا واستخدامها في تصنيع المسيّرات وأنظمة الصواريخ.

وجاء القرار الأوروبي بعد رصد بيانات تجارية على مدى عشرة أشهر من عام 2025، أظهرت ارتفاع واردات قرغيزستان من هذه السلع القادمة من الاتحاد الأوروبي بنسبة 800 في المئة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، تلاها ارتفاع بنسبة 1200 في المئة في إعادة تصديرها إلى روسيا. وبرأي بروكسل، لم تتخذ السلطات القرغيزية إجراءات كافية لوقف هذا المسار، رغم الطلبات المتكررة والمشاورات التقنية.

ولا تبدو المسألة مجرّد تعديل تقني في قواعد التصدير، بل سابقة سياسية وقانونية. فللمرة الأولى تُفرض قيود قطاعية على دولة ثالثة لأنها سمحت بأن تتحول أراضيها إلى قناة إمداد لاقتصاد الحرب الروسي. وهنا يكمن السؤال الأكبر: هل تتحول هذه الآلية إلى جزء دائم من بنية العقوبات الأوروبية، بما يكفي لتعطيل وصول موسكو إلى السلع التي تحتاجها لمواصلة الحرب؟

لقد تطورت سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه الالتفاف على العقوبات تدريجياً. ففي البداية، استهدفت العقوبات شركات ومصارف وأفراداً روساً. ثم توسعت لتشمل ناقلات “أسطول الظل”، والوسطاء، والتجار، وكيانات في دول ثالثة. أما الحزمة العشرون، فتنقل الضغط إلى مستوى آخر: لم يعد الهدف فقط الجهة التي تستلم الشحنة، بل المسار التجاري كله إذا تحول إلى قناة ثابتة لتجاوز القيود.

وحسب التقرير، تكشف حالة قرغيزستان أن بروكسل لم تعد تنظر فقط إلى المستخدم النهائي المعلن للسلع، بل إلى سلوك الدولة بكامله. فإذا أظهرت البيانات ارتفاعاً غير طبيعي في واردات سلع حساسة، ثم تدفقت هذه السلع لاحقاً إلى روسيا، فقد يصبح ذلك وحده سبباً كافياً لفرض قيود. وهذه رسالة مباشرة إلى الدول التي حققت أرباحاً كبيرة من إعادة تصدير السيارات والإلكترونيات والمعدات والمكونات ذات الاستخدام المزدوج إلى روسيا خلال السنوات الأخيرة.

وتشير الحزمة الجديدة أيضاً إلى أن العقوبات باتت تعمل كخناق تدريجي على الاقتصاد الروسي، لا كضربة واحدة حاسمة. فموسكو تحاول التكيف عبر فتح طرق التفافية جديدة، واستغلال دول ثالثة، واستخدام أدوات مالية مبتكرة، والعملات المشفرة، والهياكل الخارجية، ونقل جزء أكبر من تجارتها إلى “المنطقة الرمادية”. لكن كل حزمة أوروبية جديدة تضيق هذه الثغرات، وترفع كلفة الالتفاف، وتزيد المخاطر على الوسطاء.

وفي هذا السياق، شدد الاتحاد الأوروبي ضغطه على البنية المالية التي تساعد في تجاوز العقوبات، فأدرج مزيداً من المصارف الروسية والمؤسسات المالية في دول ثالثة على القوائم السوداء. كما أشار المجلس الأوروبي إلى اعتماد روسيا المتزايد على العملات المشفرة في التسويات الدولية، وفرض إجراءات على الأدوات والمنصات الرقمية التي تسهّل هذه العمليات.

أما في قطاع الطاقة، فقد أضاف الاتحاد الأوروبي 46 سفينة إلى قائمة “أسطول الظل”، ليرتفع عدد الناقلات المشمولة بالعقوبات الأوروبية إلى 632 ناقلة. وفرض كذلك قيوداً جديدة على بيع الناقلات، وخدمة ناقلات الغاز الطبيعي المسال الروسية وكاسحات الجليد، والبنية التحتية للموانئ. وللمرة الأولى، أُدرج مرفق في دولة ثالثة، هو محطة كاريمن النفطية في إندونيسيا، بسبب اتهامه بالمساعدة في الالتفاف على سقف أسعار النفط وخدمة ناقلات “أسطول الظل”.

وتبرز في خلفية هذه التطورات قضية ميناء كوليفي الجورجي والمصفاة المجاورة له. فقد كان الميناء مرشحاً للإدراج في الحزمة العشرين بسبب دوره في شحن النفط الروسي واستقبال سفن مرتبطة بـ”أسطول الظل”، لكن الاتحاد الأوروبي تراجع بعد تعهد السلطات الجورجية ومشغل الميناء، شركة الطاقة الأذربيجانية الحكومية SOCAR، بالامتثال الكامل ومنع السفن الخاضعة للعقوبات من الرسو، واحترام القيود المفروضة على تصدير المنتجات النفطية المشتقة من الخام الروسي إلى أوروبا.

ومع ذلك، لا تزال الصورة معقدة. فمصفاة كوليفي أعلنت لاحقاً نيتها وقف استخدام النفط الروسي والتحول إلى خامات من تركمانستان وكازاخستان، لكن الخام الروسي المخفض بعد عام 2022، وقرب المصفاة من موانئ البحر الأسود الروسية، شكّلا أساس الجدوى الاقتصادية للمشروع. وبسبب أزمة الطاقة الناتجة عن حرب إيران وارتفاع مخاطر الشحن عبر مضيق هرمز، استفادت المصفاة من أسواق بديلة خارج أوروبا، وواصلت معالجة الخام الروسي وتصدير المنتجات إلى الصين وسنغافورة وتوغو والمغرب وتركيا وغيرها.

رسمياً، لا تنتهك هذه العمليات العقوبات الحالية، لكن المنظمين الأوروبيين باتوا ينظرون إليها كآلية محتملة لـ”غسل” المواد ذات المنشأ الروسي عبر دول ثالثة، ما يجعلها مصدراً متزايداً للمخاطر القانونية والسمعة التجارية.

في المقابل، لا تحمل الحزمة الأوروبية الجديدة العصا وحدها، بل تعرض الجزرة أيضاً. فقد شطب الاتحاد الأوروبي 11 ناقلة من قائمته السوداء بعد أن أثبت مالكوها العودة إلى الامتثال، كما أزال خمس مؤسسات مالية في دول ثالثة بعد تعهدها بعدم المشاركة في الالتفاف على العقوبات. وهذه رسالة واضحة: العقوبات الأوروبية ليست عقابية فقط، بل قابلة للتراجع إذا تعاونت الشركات والدول مع المنظمين، وأغلقت قنوات إعادة التصدير المشبوهة، والتزمت فعلياً بالنظام المفروض.

لكن التحدي الأكبر أمام أوروبا يبقى في تطبيق هذه القاعدة على الجميع. فاستهداف قرغيزستان يضع سابقة مهمة، لكن المنطق نفسه يفترض أن يطال دولاً أكبر تمر عبرها سلع ومكونات حساسة إلى روسيا، مثل الصين وتركيا والإمارات والهند وغيرها. وهنا ترتفع الكلفة السياسية، لأن هذه الدول تملك وزناً اقتصادياً وجيوسياسياً أكبر بكثير في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي.

وتشير التحقيقات المستقلة إلى أن الالتفاف على العقوبات لم يعد نشاطاً هامشياً، بل تحول إلى منظومة دولية موازية للتجارة. فروسيا أعادت بناء جزء كبير من وارداتها من السلع ذات الاستخدام المزدوج، ولا تزال الرقائق وأشباه الموصلات الغربية تظهر في حطام الصواريخ الروسية داخل أوكرانيا، فيما تُنقل مكونات حيوية عبر شركات وسيطة وتحت مسميات مختلفة.

لذلك، تبدو الحزمة العشرون أكثر من مجرد عقوبات إضافية. إنها اختبار لقدرة الاتحاد الأوروبي على تحويل سياسة العقوبات من قوائم أسماء وشركات إلى نظام مراقبة واسع للسلوك التجاري للدول. فإذا نجحت بروكسل في تطبيق هذه الآلية بثبات، فقد تصبح طرق روسيا الخلفية أكثر كلفة وخطورة. أما إذا توقفت عند الدول الأصغر فقط، فستصطدم العقوبات بسقفها السياسي، وتبقى الشبكات الأكبر قادرة على العمل في الظل. (Riddle)