يجد قداسة الحبر الأعظم، البابا لاوون الرابع عشر، في “صلاة المسبحة الوردية” سلاحاً في وجه الحروب والجغرافيا السياسية. وفي ختام الشهر المريمي، اختار أن يقود الفاتيكان منصة ديبلوماسية شعبية عابرة للقارات، تلتحم فيها الصلوات بصرخات الشعوب القابعة تحت وطأة النيران.
إن “صلاة الوردية” خُصصت لضحايا الحروب والنزاعات، مع التركيز على حماية الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة في مواجهة المعارك. كذلك ستُرفع من أجل “صناع الرجاء” والذين يحملون تعزية الإيمان والكلمة الطيبة للشعوب التي تعيش تحت وطأة النزاعات. والصلاة أيضاً تأتي لتكريم الطواقم الطبية، والمسعفين، والمتطوعين في مجال الإغاثة الإنسانية داخل مناطق الحروب، في حين تبقى النية الأكبر التي يحملها البابا لاوون في قلبه، هي إحلال السلام ووقف الحروب في مختلف أنحاء العالم.
عنايا… المنصة الشرق أوسطية الوحيدة في صلاة الوردية العالمية
إن الفاتيكان لا يختار المحطات عشوائياً؛ فاختيار لبنان، يعكس رغبة البابا في تسليط الضوء على بؤر النزاع الأكثر سخونة وتأثراً بالحروب في العالم. وفي هذا السياق، أكد الأب سامر إلياس في حديث لـ “لبنان٢٤” أن اختيار مزار القديس شربل ليكون المنصة الشرق أوسطية الوحيدة في هذه الصلاة العالمية، يأخذ طابعاً ومكانة خاصة جداً في قلب البابا لاوون الرابع عشر.
هذه المكانة تُرجمت عملياً خلال زيارته الرسولية التاريخية إلى لبنان العام الماضي، حيث أصرّ على أن يكون ضريح مار شربل محطة رئيسية في جدول أعماله وتلا أمامه صلاة كتبها بنفسه، ليكون اختيار اليوم امتداداً لذلك الرابط الروحي الشخصي والعالمي.
ويشير الأب إلياس، إلى أن الكرسي الرسولي يدرك تماماً أن لبنان هو “الثقل الأكبر مسيحياً في الشرق الأوسط”، ليس فقط ديموغرافياً، بل بفضل صيغته الفريدة القائمة على حرية التعبير، والتعددية الطائفية، والشراكة الدستورية الحقيقية.
ويتابع الأب إلياس مؤكداً أن الفاتيكان يقف إلى جانب لبنان في أزماته ومحنه، وهذا ما ظهر جلياً عندما خصّ البابا سابقاً كهنة الحدود الجنوبية بلفتة دعم ملموسة من خلال التواصل معهم عبر الفيديو، ليؤكد اليوم مجدداً رغبته في ربط صمود اللبنانيين بصلاته اليومية والشاملة من أجل كرامة الإنسان.
وشدد الأب إلياس على أن حماية الحضور المسيحي الفاعل في لبنان، هي حماية لجميع مسيحيي الشرق، محذراً من أن أي تآكل أو سقوط لهذا الحضور، سياسياً أو اجتماعياً، سينعكس سلباً كحجارة الدومينو على المنطقة بأسرها، مهدداً نموذج العيش المشترك كلياً. فلبنان ليس مجرد جغرافيا، بل هو الرئة الإدارية والروحية للكنائس الشرقية؛ كونه المقر الرئيسي الذي يجتمع فيه “مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك” ورئيسه لبناني، بالتالي، يرى الفاتيكان في لبنان المنصة الشرعية والطبيعية لمخاطبة الشرق وجواره.
صمت مار شربل بوجه خطابات التخوين
وفي وقت يعيش فيه لبنان واقعاً ممزوجاً بالموت والدمار، وتتداخل فيه محلياً خطابات التحريض، والتخوين، والانقسام، يلفت الأب سامر إلياس إلى أن اختيار البابا لاوون الرابع عشر للقديس شربل الذي يوصف ب”القديس الصامت والمصلي” يحمل رسالة بالغة الأهمية؛ فمن عند ضريحه تنطلق الوحدة الحقيقية، وهي الوحيدة الكفيلة بصنع الفرق وكسر جدار التفرقة.
إنها دعوة لوحدةٍ تتجاوز الحسابات الضيقة، وتلتقي على نية السلام العالمي، متضرعةً لكي يتدخل الله في مجريات التاريخ ويضع حداً لآلات الحرب والدمار، ليعيد للإنسان كرامته وأمانه.











اترك ردك