ومن هنا تكتسب التحركات الأميركية المرتقبة أهمية خاصة، ولا سيما مع وصول قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال براد كوبر إلى إسرائيل، بالتوازي مع التحرك الأميركي باتجاه بيروت لمتابعة الملفات المرتبطة بوقف الاعتداءات وعمليات النسف والتجريف والمناطق التجريبية. وبذلك تجد الوساطة الأميركية نفسها أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على المسار التفاوضي من جهة، ومنع تحوله إلى مظلة سياسية لاستمرار الوقائع التي ترفضها بيروت من جهة أخرى.
وتقول مصادر مطلعة على أجواء المفاوضات إن لبنان لا يغلق باب التفاوض، لكنه يرفض أن يتحول التفاوض إلى هدف بحد ذاته. ولذلك بات يربط مشاركته في أي جولة جديدة بمجموعة من الشروط، في مقدّمها وقف إطلاق النار، ووقف عمليات التدمير والتجريف، والانتقال إلى مناطق تجريبية جديدة، مع تمسّكه بالخيام وبنت جبيل كخيارين للمرحلة المقبلة. وتضيف المصادر أن الرسالة السياسية واضحة: المطلوب أن تتحول المناطق التجريبية إلى اختبار فعلي للانسحاب الإسرائيلي، لا إلى آلية لإعادة الانتشار أو لتثبيت واقع ميداني جديد.
ويحمل هذا الموقف بعداً تفاوضياً يتجاوز التفاصيل الميدانية. فلبنان يحاول منع إسرائيل من استخدام المفاوضات لإدارة الوقت، أو فصل المسار اللبناني عن حساباتها السياسية الداخلية. لذلك، لا ينظر إلى استمرار العمليات العسكرية في الجنوب باعتباره مجرد خرق أمني، بل باعتباره عاملاً يهدد أساس العملية التفاوضية نفسها.
في المقابل، لم تعد إسرائيل تتعامل مع المفاوضات من زاوية وقف إطلاق النار وحده. فجدول الأعمال الذي خرج من روما بات أوسع، ويدخل في صلبه مستقبل الوضع الأمني في الجنوب، والحدود البرية، والأسرى، ونزع السلاح، وآليات التحقق من التنفيذ. وهذا التحول يعني أن المفاوضات تنتقل تدريجياً من معالجة تداعيات الحرب إلى محاولة رسم صيغة أمنية جديدة للمنطقة الحدودية.
وهنا تكمن العقدة الأكثر حساسية. فكلما اتسع البحث في آليات نزع السلاح والتحقق منه، ازداد ارتباط المسار التفاوضي بمستقبل لبنان وبالدور الذي يفترض أن يؤديه الجيش في الجنوب. وفي هذا الإطار، يبرز البحث في تشكيل قوة أو آلية دولية للتحقق من نزع سلاح حزب الله كأحد الملفات التي تتقدم بصمت داخل المفاوضات. ووفق المعطيات المتداولة، توصل لبنان وإسرائيل إلى قائمة مختصرة بدول يمكن أن تشارك في هذه المهمة، على أن تختار الولايات المتحدة الدول المعنية. كما برز اسم سويسرا في التداول الإسرائيلي بوصفها مرشحة للقيام بدور في الإشراف على تنفيذ الاتفاق، في حين استُبعدت فرنسا من القائمة، وفق ما نقلته مصادر دبلوماسية. ولذلك سيكون على لبنان، وفق المصادر، أن يوازن بين حاجته إلى آلية تحقق دولية تعزز الالتزام بالاتفاق، وبين خطر تحولها إلى أداة دائمة للضغط أو قناة لتكريس تفسير إسرائيلي وأميركي منفرد لمفهوم نزع السلاح.
وفي موازاة المسار التفاوضي، تتحرك واشنطن على خط يتجاوز حدود المفاوضات المباشرة. فمشروع القانون الذي قدمه السيناتوران جين شاهين وجيمس لانكفورد يعكس توجهاً أميركياً واضحاً نحو ربط الدعم المقدم إلى لبنان بمدى تقدمه في ملف نزع سلاح حزب الله والإصلاحات المالية وتعزيز مؤسسات الدولة، واللافت في المقاربة الأميركية أن العقوبات والمساعدات تطرحان ضمن سلة واحدة تتصل بعقوبات تستهدف الجهات التي تدعم تمويل حزب الله أو تعرقل نزع سلاحه والإصلاحات، في مقابل مساعدات أمنية واقتصادية للجيش وقوى الأمن، يمكن أن ترتفع قيمتها تبعاً لمستوى التقدم الذي تراه واشنطن في هذه الملفات.
وتقول مصادر اميركية إن واشنطن تتعامل مع الملف اللبناني كعملية إعادة ترتيب تدريجية لمعادلة السلطة والنفوذ. فالجيش ليس مطلوباً منه فقط أن ينتشر بعد انسحاب إسرائيل، بل أن يتحول إلى البديل المؤسساتي الكامل عن أي قوة عسكرية أو أمنية موازية للدولة. أما الإعمار، فلا يُطرح كاستحقاق اقتصادي وإنساني فحسب، بل كجزء من إعادة بناء حضور الدولة في المناطق التي يتمتع فيها حزب الله بنفوذ واسع.
وفي التصور الأميركي، وفق المصادر الدبلوماسية، يبرز الجيش كعنصر أساسي في أي صيغة مستقبلية. فتمكينه وتدريب وحداته وتعزيز قدرته على الانتشار وفرض سلطة الدولة تبدو، في الحسابات الأميركية، أكثر قابلية للاستمرار من محاولة فرض واقع أمني جديد بالقوة الإسرائيلية وحدها.
لكن هذه المقاربة تصطدم بعامل لا تستطيع واشنطن تجاهله، وهو استمرار إسرائيل في العمليات العسكرية. فكيف يمكن مطالبة لبنان بخطوات صعبة في ملف السلاح، فيما يبقى الجنوب تحت ضغط عسكري إسرائيلي؟ وكيف يمكن إقناع الداخل اللبناني بأن تعزيز الدولة هو الطريق إلى الاستقرار، إذا كانت الدولة نفسها عاجزة عن وقف الاعتداءات؟
لهذا يصر لبنان على ترتيب الأولويات. فإعادة بناء سلطة الدولة، وفق المقاربة اللبنانية، لا يمكن أن تتم في ظل استمرار الاحتلال والضربات، كما أن نزع السلاح لا يمكن أن يتحول إلى مسار أحادي الجانب لا يقابله انسحاب إسرائيلي وضمانات واضحة. ومن هنا يحاول لبنان منع الوصول إلى هذه المرحلة من موقع ضعيف، مستخدماً ورقة المشاركة في المفاوضات وربطها بسلوك إسرائيل، ومتمسكاً بتوسيع المناطق التجريبية إلى نقاط تشكل اختباراً حقيقياً للانسحاب.










اترك ردك